بدأت الشكوك تنتاب رفاقه "الجدد": هل سيغادر وليد جنبلاط الغالبية التي صنعها بنفسه؟
الشكوك مشروعة وتموضع "أبو تيمور" يخلط الأوراق التي ظن بعضهم يوما أنها لم تعد قابلة للخلط. ومن شأن ذلك أن يساهم في تحديد الرابح والخاسر في لعبة الحياة أو الموت الدائرة.
يتذوّق فريق 8 آذار طعم الشعور الذي تولّد لدى 14 آذار قبل عامين، أي احتمال خسارته وليد جنبلاط، علما أنّ جنبلاط بقي يصنّف نفسه في البقعة الوسطية داخل الغالبية الجديدة، شريكا لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وقد لا يكون لهذا الفريق "الوسطي" ثلث معطل، لكن له رئيس الحكومة، وهو قادر على إسقاطها بمجرّد استقالته، مع أنّ هذا الاحتمال يبدو من المبكر استنتاجه. فميقاتي له اعتبارات تختلف عن تلك التي تتحكم في جنبلاط، وله توقيته وبرنامجه داخل الحكم، ولو أنّهما يتشاركان النظرة إلى عدد من الملفات الحسّاسة، كالمحكمة والقرارات الدولية والتعيينات الإدارية والقضائية والأمنية.
… أعنف من 14 آذار!
لهواجس 8 آذار مبرّرات: إنقلاب وليد جنبلاط مجدّدا يؤدّي إلى انقلاب البلد. فهل شكوك الحلفاء في محلّها؟
السؤال يبدو أكثر إلحاحا اليوم. وحجم الرسائل التي أطلقها جنبلاط في الأسابيع الأخيرة يبرّره. فهو من موقع الحليف للنظام السوري يوجّه إليه انتقادات و"نصائح"، كما لو كان أحد قادة "الثورة"، وهو من موقع المتحالف مع المقاومة يتمسّك بالقرارات الدولية وبينها المحكمة وتمويلها وقضاتها اللبنانيون، كما لو أنه ما زال في 14 آذار. وهو من موقع الخارج من "ثورة الأرز" يتواصل مع الرئيس سعد الحريري ويشارك في مناسبات يطغى عليها حضور أركان 14 آذار ويبوح لهم بأنه "ينتظر جثّة عدوه" عند حافة النهر!
الرفاقُ حائرون
ماذا بقي من جنبلاط في 8 آذار، أو "قرب" 8 آذار، بعد كل ذلك؟ وماذا بقي منه خارج 14 آذار، أو "قرب" 14 آذار؟
مصدر في 8 آذار يقول: نحن نترقّب تطوّر مواقف جنبلاط. ويكشف أنّ هناك استياء ونقاشا يدور بين القوى الحليفة لسوريا في شأن هذا الملف واحتمالاته، وأن اتصالات جرت بين أركان حزبيين من 8 آذار بأركان الحزب التقدمي الاشتراكي والقريبين من جنبلاط للوقوف على حقيقة الموقف. وفي كل الحالات، كانت الأجوبة الآتية من المصادر الجنبلاطية تقلّل من حجم التوقّعات، وتؤكد أن المختارة ملتزمة "الثوابت"، وهي دعم المقاومة والتحالف مع سوريا ومنع أي صدام مذهبي أو طائفي داخلي.
لكنّ هذه العناوين الجنبلاطية العامة لم تخفف من وطأة الهواجس لدى 8 آذار. فجنبلاط تجاوز "الخط الأحمر" بالنسبة إلى هذا الفريق، ولا يمكن اعتبار موقفه الأخير في موسكو مجرّد تمايز "داخل الصف"، لأنه التقى تماما مع مواقف الداعين إلى إسقاط النظام في سوريا. حتى إن مصادر في 8 آذار تقرأ من خلال موقف جنبلاط تطورا لموقف موسكو الداعم الأبرز للنظام دوليا. فقد يكون جنبلاط التقط "كلمة السر" الروسية: إنتهت محاولات المعالجة في سوريا، وعقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء.
العلاقة بالأسد ليست كالعلاقة بنصرالله
ولم تكن إشارة جنبلاط الى إدانة بعض الذين هم في النظام السوري، سوى تعبير عن وصول الأزمة إلى مفترق حاسم. فجنبلاط لا يغامر بمواقف شديدة الحساسية في الداخل السوري، لو لم يكن قد حدد خيارات جديدة وحديثه قبل ذلك عن "الشعوب الحرّة" و"الأنظمة الديكتاتورية" التي يحمّلها المسؤولية عن ضياع المستقبل، كان يمهد للمواقف المباشرة التي أطلقها أخيرا في موسكو وأتبعها في راشيا أمام كثيرين من قوى 14 آذار.
وتتوقّع أوساط جنبلاط أن يطلق مواقف أخرى واضحة له، وأن ينشط في المرحلة الراهنة على مستوى اللقاءات الشعبية، في مناسبات مختلفة. ويترافق هذا الانفتاح على 14 آذار مع بروز واضح للوزير وائل أبو فاعور القريب من 14 آذار، وربما لاحقا للنائب أكرم شهيّب، في مقابل هدوء نسبي لحركة الوزير غازي العريضي، مهندس العلاقات مع سوريا و"حزب الله"، لكن المؤكّد، وفقا لمصادر جنبلاط، هو أنّ "أبو تيمور" لن يقدم على أي خطوة من شأنها إضعاف علاقته بـ"حزب الله" والسيّد حسن نصرالله، حرصا منه على سلامة الوضع في الجبل. وهو يحاول التوفيق بين استعادة الودّ مع الحريري والاحتفاظ بالود مع نصرالله، كما أنّه يحاول الفصل بين علاقته بـ"الحزب" وتحالفه مع الرئيس بشار الأسد. لكن المصادر تستبعد الجانب المتعلق بالتحضير لمعركة 2013 النيابية، إذ إنّ جنبلاط مضطر في بيروت والشوف والبقاع الغربي الى مراعاة الزعامة السنية، وتقول: ننتظر الكثير قبل هذا الموعد.
الخيارات لم تنضج
ويبقى السؤال عن تموضع جنبلاط السياسي مثار قلق لدى الجميع. فالرجل اختار الخروج من 14 آذار تحت ضغط التهديد له ولطائفته في لبنان وسوريا، وإعادة التموضع تعني زوال هذا التهديد، له شخصيا، وللجبل، ولدروز سوريا الذين بدأوا في الأسابيع الأخيرة ينخرطون في الثورة ضد النظام، فهل تراجع هذا التهديد فعلا و"حرر" "أبو تيمور"، أم إن الزعيم الدرزي سيحافظ على خط وسطي، فلا يقطع الجسور مع أحد ولا يعرّض نفسه أو طائفته للخطر "عند تغيير الدول"؟
المعارك لم تُحسَم بعد، ولعلّ أكثر الضحايا يقعون في الفترات الرمادية بين معركة وأخرى أو خلال الفصل الأخير من المعركة، حيث بعضهم قد يكون مستعدّا للعب "الصولد". فلا شيء لديه يخسره! وجنبلاط يدرك قواعد الاشتباك أكثر من أي مقاتل آخر في لبنان.