ليس بغريب على العالم الإسلامي مشهد إحراق كتب، فهذا التاريخ حافل بإحراق الكتب ككتب الفلسفة والفقه والأدب، بل وإحراق أصحابها أيضاً ألم يقطع أحد خلفاء بني العباس إبن المقفّع ورماه في التنّور قطعة قطعة… غالباً كانت السلطة تُـحرّق وتحضّ وتحرّض الناس على إحراق الكتب بتهمة الزندقة أو الكفريات، أنّها المرّة الأولى التي يُحرق فيها متظاهرون كتب فقيه. أحرق في مدينة دير الزور كتب فقيه هو الشيخ محمد رمضان سعيد البوطي أو فلنقل رجل دين، فقد لا يصحّ أن نطلق عليه صفة «فقيه»، فما يصدر عنه هذه الأيام يشيبُ له الولدان، مع أن خير الجهاد «كلمة حقّ عند سلطان جائر» إلا أن البوطي تصحّ فيه هذه الأيام مقالة الأمير الزاهد ابراهيم بن أدهم الذي نبذ ملكه وساح في حبّ الله متزهداً في الدنيا وغرورها فقال:
نرقعُ دنيانا بتمزيق ديننا فلا دينُنا يبقى ولا ما نرقعُ
فطوبى لعبدٍ آثرَ الله ربَّه وجاد بدنيــــــاهُ لما يتوقّعُ
فاحتجاجاً على فتاوى لا يصحّ أن تصدر عمّن له دين وعقل، فكيف بمن يحمل صفة رئيس قسم العقائد والأديان بكلية الشريعة في جامعة دمشق، صدر عن البوطي فتوى حملت الرقم 15449 رداً على سؤال لسائل من دوما يسأل عن حكم الإثم الذي لحقهم بعد إجبار الأمن لهم بالسجود على صورة بشار: «اعتبر صورة بشار بساطاً.. ثم اسجد فوقه»، إنّه السجود لأصنام بشريّة، لا فرق بين هُبَل واللات والعُزّى والسجود لأحجار لا تضرّ ولا تنفع في الجاهليّة، بل الأصنام البشرية أشد ضلالاً وفتكاً، لأنها أعجز من أصنام الحجارة، وهي على جبروتها وتوحشها ضعيفة لا تملك أن تستنقذ من الذباب شيئاً سلبها إيّاه…
لزمن مضى كان ظنّ الناس بورع الشيخ البوطي حسن، بل كانوا يصنّفونه على أنه عالم، فإذا كان في فتواه يحتال على النظام ورئيسه فتلك مصيبة لأنّه منافق وإن كان يحتال على الله فالمصيبة أعظم، لا يؤتمن على الدين والفتوى فقيه خائف جبان!!
وفي الفتوى التي حملت الرقم 14658 ردّاً على سؤال من شخص لم يذكر اسمه «ما حكم توحيد غير الله قسرا كما يحدث في فروع الأمن عند الاعتقال وإجبارهم على القول أن بشار الأسد إلهنا وربنا» ردّ البوطي: «إن ذلك يحدث بسبب خروج هذا الشخص مع المسيرات إلى الشارع والهتاف بإسقاط النظام وسبّ رئيسه والدعوة إلى رحيله»!!
وكأننا أمام عمّار بن ياسر وهو يشهد تعذيب أمّه سميّة وأبيه، وقتلهما أمام ناظريه فيما كفّار قريش يقولون له: «أذكُر هُبُل» وكان قد دخل في الإسلام، فهل يبيح البوطي التفوّه بالكفر على اعتبار أن الرئيس هُبُل فإن تفوه الذين يعذّبهم أمنه وقلوب المعذّبون مطمئنة بالإيمان، إنّه لمن الأمور المفجعة أن يكون البوطي يبيح ويُحلّل تعذيب إنسان لمجرّد مطالبته بكرامته وحريته وعيشه الكريم، في هذه المنزلة قد يكون البوطي هو الذي يستحقّ الإحراق لا كتبه؟!
أمّا ثالثة الأثافي، كانت في فتوى البوطي التي حملت الرقم 14375 والتي لم يحرم فيها إطلاق النار على المتظاهرين رداً على جندي يسأله عن «حكم إطلاق النار على المتظاهرين» فأجاب بأنه: «إذا علم المجند أنه تسبب بقتل فعليه الدية للورثة؛ وأن يصوم شهرين وإن لم يستطع فإطعام فقير لمدة شهرين. أما إن كان تسبب المجند بجروح فله أن يدعو الله أن يسامحه أصحاب العلاقة»، أفالذنب على من ينفذ أمراً بالقتل لأنه إن لم يقتل يُقتل، أفيملك مجنّد في الجيش السوري أن يدفع ديّات لا ديّة واحدة؟! أهذا عالم الذي يُفتي بقتل إنسان مع العلم بقتله ثم دفع الديّة؟! مع أن الديّة في القرآن جاءت في القتل غير العمد، لأنّ من قتل نفساً فكأنما قتل الناس جميعاً.
قاتل الله البوطي وقتله، وقتل كلّ بوطيّ في هذه الأمّة ـ وما أكثرهم ـ في هذه الأيام المباركات، فإنّه يبيح للظلم أن يزداد في تكبّره وظلمه وأذاه، فكأنّه هامان وزير فرعون الذي خاطب الناس من ظلمه وتألهه بـ: «أنا ربّكم الأعلى»، حشره الله مع من يُفتي له ومع فرعون في الدّركِ الأسفل من النار، جزاء هذه الدماء المراقة على أبواب رمضان بغياً وظلماً وعدواناً.