كتبت ربى كبارة في صحيفة "المستقبل": يعتمد "حزب الله" سياسة الهروب إلى الأمام فيتخبّط مصعّداً مواقفه بعنجهية سياسية غير مسبوقة بدلاً من البحث عن سبل تلاقٍ مع شركائه في الوطن، كمخرج منطقي وحيد لمواجهة وضعه الحالي. فهو محاصر داخلياً باتهام اربعة من كوادره باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فيما يتزعزع فعلياً سنده الاقليمي الاقرب بغض النظر عن نتائج "ثورة" الشعب السوري المستمرة منذ اربعة اشهر ونصف رغم عنف القمع الدموي.
ويبدو "حزب الله" مربكاً في مواجهة التحولات المتسارعة رغم نجاحه في تشكيل حكومة يتمتع مع حلفائه بأغلبيتها إضافة الى احتفاظه بسلاحه لان اندلاع حوادث سوريا لم يكن في حسبانه.
فهو من جهة يدعم بقوة إستئناف الحوار الوطني المتبقي على جدول أعماله بند وحيد هو بند "الاستراتيجية الدفاعية" المتعلق بمصير سلاحه وإمكان وضعه تحت سلطة الدولة، ويرفض من جهة اخرى المساس بهذا السلاح، بل وجد له مهمة جديدة تتعلق بالدفاع عن ثروة لبنان النفطية البحرية.
فقد حذّر أمينه العام السيد حسن نصر الله مؤخرا "الاسرائيلي من مد يده إلى هذه المنطقة" في خطاب غابت عنه العناوين الداخلية المعتادة كوصف المحكمة الدولية بانها "إسرائيلية" أو تناوله الاحداث الجارية في سوريا. كما تجنّب التطرق الى حادثة الاعتداء على "اليونفيل"، اذ تعرضت قوة فرنسية قبل ساعات قليلة من الخطاب لتفجير تراوحت تفسيراته بين كونه رسالة سورية الى فرنسا او على ارتباط بالقرار 1701 الذي وضع حداً للعمليات العسكرية بين "حزب الله" واسرائيل صيف العام 2006 او للتجديد المرتقب للقوة الدولية.
ورغم سعيه الى اطالة عمر الحكومة، بإعتباره راعيها، لم يتردد "حزب الله" في إحراج رئيسها نجيب ميقاتي الذي يترقب المجتمع الدولي مدى تنفيذه تعهده العلني إلتزام التعاون مع المحكمة الدولية الخاصة، وذلك عندما رفع المتهمين الى مصاف "القديسين" مسفّها بذلك مسبقاً مقولة القضاء اللبناني المرتقبة بأنه جهد لتوقيفهم ولكن "تعذّر التنفيذ".
ولا يرى ديبلوماسي عربي في هذا السلوك سوى دليل تخبط . فـ"حزب الله" يرغب بتسهيل عمل الرئيس ميقاتي ليكرسه زعيماً سنياً مقابل الرئيس سعد الحريري. وهو يريد من الحكومة اموراً ابرزها: تعيينات تساعده في السيطرة على الدولة لأن حصنه الشيعي لم يعد كافياً وهو بحاجة الى الاحتماء بالمؤسسات، الالتفاف على المحكمة الدولية الخاصة، دعم النظام السوري سواء عبر منع الجيش لجوء سوريين الى لبنان او بمعارضة اي قرار مضر في مجلس الامن الدولي او بتعاون مصرفي يبعد شبح الانهيار الاقتصادي. وقد يؤدي الالتفاف على المحكمة او التعاون المصرفي مع سوريا التي تواجه عقوبات دولية الى احتمال تعرض لبنان لعقوبات مماثلة تضرب قطاعه المصرفي مما يؤدي الى دمار اقتصادي يشابه الدمار الذي نجم عن اختطافه صيف عام 2006 جنديين اسرائيليين لمبادلتهما باسرى.
وتندرج في إطار الارباك الهجمات الشخصية على الرئيس سعد الحريري وعائلته وكذلك ما تشهده قرية لاسا في جرود جبيل من تعديات عقارية لأنصاره على أوقاف الكنيسة المارونية.
كما تندرج في هذا الاطار ايضاً مساعي إعادة فتح ملف شهود الزور لاحالته أمام المجلس العدلي رغم تعارضه مع إلتزام القرار الدولي 1757 وبروتكول التعاون مع المحكمة الذي سلّم لبنان بموجبه صلاحية النظر في إغتيال الحريري حصراً إلى المحكمة الدولية وأودعها كل ملفاته القضائية. ويأمل "حزب الله" وحلفاؤه بأن يخدم ذلك مصالحهم في الانتخابات المقبلة عام 2013 عبر تأهيل موالين لهم وإضعاف معارضين على أساس تورطهم في هذا الملف.
ويرى ديبلوماسي عربي في اعتماد الحكومة لغتين في مواجهة معضلة المحكمة ومعضلة السلاح غير الشرعي، محاولة لتخطي مصاعب البيت الواحد وأخذ فترة سماح بلنتظار تطورات المحكمة وتطورات سوريا. فرغم مكابرة "حزب الله" في مواجهة القرار الاتهامي الذي سيكشف الشهر المقبل عن أدلته، كيف له أن يتعامل مع تطورات النظام الحليف في سوريا مهما أتت النتائج: فوضى او نظام بديل او بقاء لنظام مهشم في احسن الاحوال, وقد برز إستياء شعبي سوري من مواقف "حزب الله" تجلى بحرق اعلامه في المسيرات فيما انتقل حليفه النائب وليد جنبلاط الى وصف ما تشهده سوريا بأنه "ثورة" داعياً إلى محاسبة المسؤولين عن عمليات القتل.
ويخشى المصدر نفسه أن يؤدي الارباك إلى اندلاع مواجهة بين "حزب الله" وإسرائيل بإعتبارها تناسبهما ظرفياً. ويرى أن مصلحة "حزب الله" تقتضي البحث عن سبل لحل الخلافات الداخلية قبل إنهيار نظام دمشق لان السعي لاحقاً سيكون أكثر صعوبة بحيث لا يبقى له سوى مهرب وحيد للخروج من مأزقه: افتعال حادثة مع الدولة العبرية خصوصاً وأن هذه الطريق تناسب حليفه الايراني الذي يسعى الى الحفاظ على نظام دمشق.
ولا يستبعد المصدر أن يأتي التصعيد من قبل إسرائيل كسبيل لمواجهة استحقاق اعتراف الامم المتحدة بالدولة الفلسطينية في أيلول المقبل خصوصاً وأن حليفتها الولايات المتحدة منشغلة بأمورها من أزمتها الاقتصادية الى استحقاقات خروجها من العراق وأفغانستان.