كتب بيار عطاالله في صحيفة "النهار": ما جرى في بلدة لاسا في قضاء جبيل ليس سوى "غيض من فيض" ملف كبير عنوانه "السيطرة على اراضي المسيحيين"، يتم تناوله بتعابير ملطفة مثل "بيع الاراضي" او "المحافظة على الارض" وما الى ذلك حرصاً على الوحدة الوطنية والعيش المشترك. وعلى رغم ادراج بند "بيع الاراضي" في جدول اعمال "القمة المارونية" في بكركي، والمساعي الحثيثة التي تقوم بها نخبة من المسيحيين من كل المذاهب من اجل التصدي لعمليات البيع والتعامل معها، فإن الشهوة الى استملاك اراضي المسيحيين تظل لا تعرف حدوداً.
المفارقة ان المسيحيين عموماً والموارنة خصوصاً، الذين اتهموا زوراً خلال سني الحرب على لبنان بأنهم "تقسيميون" و"انعزاليون"، انما هم الاكثر مقاومة لمشاريع الفرز الديموغرافي من خلال انتشارهم على كل الجغرافيا اللبنانية.
ويشير مصدر متابع للوضع في الرابطة المارونية التي شكلت "لجنة طوارئ" لمتابعة عمليات بيع الاراضي المشبوهة، خصوصاً العقارات الكبيرة والتي تستشف منها رائحة الفرز الديموغرافي والكانتونات التقسيمية، بهدف مواجهتها وافشالها، الى ان الهيئة تحار من اين تبدأ عملها في ظل الهجمة على عقارات المسيحيين وموجة الاغراءات والاغراق بالعملات الصعبة التي يتعرضون لها. ويضيف ان اكبر العمليات العقارية التي رصدتها الهيئة تمت في منطقة الحدت – بعبدا، تليها منطقة جزين، وبدرجات اقل مناطق اخرى.
ويشرح المصدر ان ثمة جهداً كبيراً تبذله بلديات منطقة بعبدا وفاعلياتها وقواها السياسية والاجتماعية المتعددة من اجل الحفاظ على هوية المنطقة والعيش المشترك والتصدي للهجمة العقارية، لكن حجم الاغراءات والضغوط ليس بالسهل اطلاقاً، فالاموال التي تتدفق من اجل العمليات العقارية تقدر بمئات ملايين الدولارات، وكل ذلك دون ان تكلف الدولة اللبنانية نفسها عناء البحث والتحري عن مصدر هذه الاموال الضخمة.
وفي جزين وانحائها تستهدف المنطقة الممتدة بين نيحا ومغدوشة بهجمة اغراءات مالية هائلة لشراء كل ما توافر من اراضي المسيحيين والدروز من ثلاثة محاور، الاول من صيدا صعوداً في اتجاه كفرفالوس وجزين حيث يتولى متمولون سنّة شراء الاراضي وبناء المجمعات السكنية ودور العبادة، بحيث تحوّلت قرى مسيحية مجرد ضواحي بسيطة معزولة مقارنة بالمجمعات السكنية الضخمة التي شيّدت. والثاني من البقاع الغربي في اتجاه جزين، والثالث من اقليم التفاح في اتجاهها ايضاً ويتولاهما متمولون شيعة يقومون بدورهم ببناء مجمعات سكنية تتمتع بما يشبه الاكتفاء الذاتي التجاري والتربوي، حتى اصبح ممكناً الكلام على ربط محكم بين منطقتي البقاع الغربي والجنوب من خلال هذه المجمعات السكنية الضخمة. ويشرح المصدر ان "الهيئة الايرانية" شقت طرقاً في اراض يملكها آل اندراوس وغيرها من العائلات في جزين دون ان يستطيع احد التصدي لها او وقفها، سواء من الهيئات المدنية ام الرسمية.
وما يصح في الجنوب وبعبدا ينطبق ايضاً على ساحل اقليم الخروب ومحيط زحلة في البقاع ومنطقة ساحل المتن امتداداً الى ساحل جبيل ووسطه، التي تتعرض بدورها لهجمة عقارية واسعة يتولاها سماسرة مسيحيون يقومون بالاتصال بمالكي العقارات وتقديم عروض مغرية جداً لهم لدفعهم الى القبول ببيع الاراضي، وايضاً دون ان تحرّك الدولة اللبنانية ساكناً في مواجهة هذا "الاعتداء على العيش المشترك".
بعد لاسا جاء دور بلدة الغابات…"الجمهورية": الأهالي يفقدون أراضيهم بـ"الصّلبَطَة"… والدولة عاجزة!
كتبت جويس الحويس في صحيفة "الجمهورية": صحيح أنّ لاسا أخذت الوهج من المناطق المجاورة، نظرا إلى التحركات الكبرى والتعديات الحاصلة بحق كلّ من تطأ قدمه أرض هذه البلدة، وكأنّها أصبحت دولة معزولة عن محيطها الإقليمي واللبناني.
إلّا أنّ ذيول التعدّيات لا تقتصر على هذه البلدة، بل تمتد لتشمل البلدات المجاورة، خصوصا بلدة الغابات التي تعاني في الوقت الراهن من مشادّات وأخذ وردّ مع جارتها أفقا، البلدة الشيعيّة، التي يتزعّمها آل زعيتر.
بلدة الغابات تعاني الأمرّين نتيجة وقوع مشاعاتها على الحدود مع أفقا، وهي كلّها أراض غير ممسوحة، لا يزال أصحابها يستندون إلى حجج ومستندات قديمة، ترتكز على معالم طبيعيّة يسهل التخلص منها.
"الجمهورية"، وفي إطار متابعتها للملف، استفسرت عن الوضع الميداني، وعمّا يجري في المنطقة.
تعدّيات لا تُحصى
شربل كرم، أعرب لـ"الجمهورية"، عن امتعاضه من غياب الدولة عمّا يحصل في جرود جبيل، خصوصا وأنّ التعديات تحصل، وتتم مراجعة دوائر الدولة المسؤولة من دون تحرّك جدّي وفاعل لحّل الأزمة.
كرَم، من سكّان بلدة الغابات، يملك أراضي تبلغ مساحتها بين 35 و 40 ألف متر، وهي تقع عقاريّا في بلدة أفقا. هذه الأراضي غير ممسوحة، وتحدّدها حجج ومستندات قديمة تعيّن حدود الأرض بحسب معالم طبيعية موجودة فيها.
ويروي كرم أنّ شخصا من آل زعيتر يملك عقارا على حدود عقاره مساحته لا تتجاوز الـ 2000 متر، وقد بدأ، منذ مدّة من الزمن، بحفر الأرض، وتغيير المعالم التي تنصّ عليها المستندات وتحدّد الحدود الحقيقية للأرض. ويقول كرَم إنّه إذا أراد التقدّم بشكوى إلى الدولة، فالمعالم لم تعد موجودة.
ولفت كرَم إلى أنّ آل زعيتر وضعوا يدهم على الأرض بالقوّة، كاشفا عن تقدّمه بشكوى إلى النيابة العامّة التي أعطت قرارا بوقف الأشغال، "إلّا أنّ القوى الأمنية غير قادرة على التحرّك وضبط الوضع، نظرا إلى أنّ المعتدين مدجّجون بالسلاح، ولا يقوى أيّ فرد من القوى الأمنية على فرض وقف أعمال الحفر، لدرجة أنّه تمّ تبليغهم بالقرار عبر الهاتف".
وكان كرَم قد تقدّم بدعوى ثانية أمام القضاء في بعبدا، ومجدّدا حصل على قرار بإيقاف الأعمال، وأيضا لم يحصل أيّ تقدّم، فتقدّم بدعوى ثالثة، واستحصل على قرار من المدّعي العام لإيقافها، فحضرت القوى الأمنية إلى المنطقة بمؤازرة من الجيش اللبناني، فأتاهم جواب من المتعدّي: "أنا برفض بلّغ وإتبلّغ".
وأشار كرَم إلى أنّه بعد ذلك بدأ هؤلاء المتعدّون بالعمل خلال فترة الليل، مؤكّدا أنّ هذه الحال تعاني منها الغالبية الساحقة من سكّان البلدة، مشدّدا على أنّ "حَمل سلاح ما رَح نِحمُل، بَس ما رَح نِتخلّى عن أرضنا".
وكشف عن تشكيل لجنة محامين ستتابع الوضع على الأرض مع القوى الأمنية، مطالبا الوزير المعني بملاحقة الموضوع وعدم السماح بإهماله، متمنّيا على البطريرك مار بشارة بطرس الراعي إرسال عدد من الطوبوغرافيين لمسح الأراضي، إذ، وبحسب كرم، "أراضي جرود أفقا كانت كلّها تابعة لمطرانيّة مار عبدا، إلّا أنّ أهالي هذه البلدة وضعوا يدهم عليها بالكامل، واليوم يسعون للتوسّع في أراضي الغابات، على الراعي تدارك الوضع قبل فوات الأوان".