يعتبر الحوار الأداة الأساسية للتواصل بين مكوّنات المجتمع، لما له من أهميّة في تنمية قدرة الفرد على التفكير وتحفيزه على الأستدلال والتحليل، كما في الوصول الى استنتاجات يمكن أن تشكّل المشترك بين الجماعة. والحوار ثقافة يتربّى عليها العقل، تقود حتما الى دربة تحرّر من الأنغلاقية فتكسب صاحبها مزيدا من المعرفة والوعي. وهو أيضا عامل انفتاحي، يصلح لأن يكون البديل البديهي عن التصادم والتنافر، فينشط الى تدوير الزوايا وتأمين المناخ الملائم للإلفة. وهكذا، يختصر الحوار المسافة بين الأنسان والأنسان، ويلغي ثقافة الأقصاء أو الفكر الآحادي الذي يفرض حيثيّته وكأنّ الرأي الآخر غير موجود أصلا، فيتعطّل مفهوم الديمقراطية نفسه.
وللحوار شروط. أهمّها أقتناع المتحاورين بأنّ طبيعة المواضيع قيد البحث، هي واحدة. فلا محرّمات أو محظورات على مستوى المطروح على الطاولة، وبالتالي فكلّ القضايا قابلة أو خاضعة لسلطان الحوار. أمّا أذا جنح الحوار الى التمييز بين ما هو مسموح وما هو ممنوع، فهذا يعني أنّ الحوار في مأزق وقد أغلقت نوافذه، أو هو وقع في فخّ الأزمة فالفشل. وهنا، يطرح السؤال: ما الجدوى أذا من حوار لا أفق له؟
لقد دعا رئيس الجمهورية الى عقد جلسة قريبة للحوار بين المتواجهين في لبنان. وهي دعوة لا يصحّ تجاهلها من حيث المبدأ والشكل. فالفريق السيادي الذي لطالما مدّ اليد للآخر، على مساحة سنوات، وارتضى المشاركة، وبلع موسى الطروحات الهجينة فدفع رصيده الشعبي والسلطوي ثمنا لأيجابيّته، لا يمكنه في الأصل أن يدير وجهه عن ثابث أساسي من ثوابت قناعاته، وهو الحوار. لذلك يفترض أن يكون متجاوبا مع الدعوة، بغضّ النظرعن الجهة التي توجّهها، فكيف أذا كان مصدرها رئيس البلاد.
هذا في الشكل، أمّا في المضمون، فلم تفصح الدعوة عن جدول أعمال الجلسة الحوارية، خصوصا في هذه المرحلة الدقيقة التي يتواجه اللّدودان بأعلى جرعة. ولعلّ أسلوب التذاكي في "عموميّة" الدعوة، هدف الى التنصّل من مسؤوليّة طرح ما لا يطرح أولا، والالتفاف ثانيا على ردّات الفعل الأستباقيّة والتي يمكن مواجهتها على أنّها حكم على النوايا، فيتلقّفها الفريق الآخر حجّة سهلة لأتّهام السياديّين بتعطيل التلاقي وبتحطيم "ارجل" الطاولة المستديرة. وهذا لا يعني، بوجه من الوجوه، اتّهام الرئيس بهذه "الحيلة" اللطيفة، فمناقبيّته ووطنيّته تمنعانه من اقتراف غلطة كهذه.
أمّا الدوائر الأخرى المعنيّة مباشرة بالطاولة، فلا يمكن تنزيهها عن هذه الغرضيّة. انّ الحوار الذي لا موضوع له، هو مجرّد مضيعة للوقت، أو محاولة لكسبه. والمطلوب الملحّ هو تحديد الورقة المحبّرة التي سوف يجري توزيعها على الحضور. فاذا كان مضمونها لا يتعاطى مع البند الخلافي المفصلي والأساسي، أي بند السلاح، فالحوار عقيم ويؤدّي الى اللاّشيء وبالتالي لا لزوم له. والسلاح ثابت نهائيا بالنسبة الى من يقتنيه، وهو أشبه بعطيّة ربّانيّة ينبغي عدم المسّ بها، ويجب توجيه الشكران للباري على فيضه هذه النعمة الحربية. واذا كان السلاح الهيا، فكل استعمال له مباح وكائنا من يكن الفريق الذي يوجّه اليه.
أمّا الأستقلاليّون فيرون المشكلة في الضابط، أي عامل الأمان، فاذا كان هذا العامل منزوعا، أصبح بامكان السلاح أن يطلق الموت من فوّهته في كلّ اتّجاه، من دون حسيب أو مسائل، وأصبح من يحمل السلاح وكأنّه يلوّح بمقصلة متنقّلة تفرم رقاب العباد، مع قهقهة صفراء وتبرير. لذلك أتى مطلب أن ينظّم السلاح في كنف الدولة، ليضبط فينعم الناس بالأمان.
انّ السلاح هو الفتنة بعينها، وهو أساس الفرقة بين أبناء الوطن الواحد، وهو عامل الطبقيّة والتصنيف البغيض. وأذا كان من يقتنيه لا يسمح بمناقشة البند المتعلّق به خلف طاولة الحوار، فحريّ بجماعة الرابع عشر من آذار، انطلاقا من الترابط العضوي بين السلاح والحوار، أن يطرحوا الخجل جانبا ويهتفوا بأعلى صوت: لا للسلاح، لا للحوار.