إنّ أسوأ ما صنعه النظام السوري على مدى أربعين عاماً هو «صياغته» لإعلام «غبيّ» و»بغبغائي» و»خشبي» و»كاذب»، وبسهولة شديدة يُدين إعلام النظام ـ وفي أحلك أوقات يعيشها تهدّد استمراره ـ ويُقدّم لأي قارئ عربي «تهمة» تؤكّد أن اختلاف وجهات النظر بين إسرائيل ـ مع أنها العدو الرسمي للنظام السوري وهو يستمد شرعيته من ادّعاء الممانعة ـ وبين الولايات المتحدة، وهذا الإعلام وحده كفيل بـ»إسقاط النظام» من تلقاء نفسه!! وعلى مقلب الصفحات الداعمة للثورة السورية ونشطائها تكتشف أن أفكارهم تواكب العصر وتبدع فكرة جديدة من دون استعارتها من ثورات أخرى، وبعضها فيه من الطرافة الكثير، فتقرأ عن دحرجة كرات في أحياء دمشق: «كرات الحرية تتدحرج في أزقة وجادات دمشق في حي المهاجرين تنادي بإسقاط النظام الكرات كتب عليها شعارات للمطالبة بالحرية وإسقاط النظام»، أو تقرأ عن اختراع سلميّ جديد لمواجهة الرصاص: «آخر ابداعات الحماصنة الابطال قاذف بصل»، أو رسائل هادفة للحكام العرب النائمين ـ كعادتهم ـ «حان الآن موعد الحرية حسب التوقيت المحلي للشعوب العـربية وعلى الحكام مراعاة واحترام فروق التوقيت»، أو التشهير المؤدّب الصامتين: «إرفعوا صور العلماء الصامتين إرفعوا صور الشرفاء الصامتين.. إرفعوا صور الزعماء الصامتين.. واكتبوا عليها… صمتكم يقتلنا»، أما أطرف ما تتداوله هذه المواقع فدعاء على لسان ما أسموه «دعاء شبيحة وزارة الاوقاف في رمضان: اللهم ثبتنا على كراسينا وبارك لنا فيها واجعلها الوارث منا وانصرنا على من عارضنا ولا تجعل مصيبتنا في حُكمنا، اللهم إنا نسألك فترة ممتدة وهجمة مُرتدة والصبر على المعارضة ونسألك الحُسن لكن لا نسألك الخاتمة»…
أما متابعة مواقع الناطقة بلسان النظام فتكشف لك مدى «غبائها» واستخفافها بعقول القرّاء السوريين، والعرب الذين يسعون للبحث عن الخبر من طرفيْ النزاع، على موقع «شام برس» قرأت بالأمس تحت عنوان تحليل لم يحمل إسم صاحبه «العبقري» حشر فيه أميركا وإسرائيل وتركيا وقطر وإيران والنظام «السوبر» صامد في سورية، وتحت عنوان فرعي، يكاد «الأحمق» يتساءل: كيف لنظام يدّعي الممانعة والحرب مع إسرائيل أن يُقدّم إعلانه عنه هذه الصورة؟!
وقبل هذه الصورة هناك ما هو «أسخم» منها بكثير، فحماة وحمص ودير الزور وسواها من مناطق ومدن سورية والتي يُتابع العالم بأجمعه أحداثها الدمويّة تجدها حاضرة في الإعلام السوري إنما على غير الصورة التي بتنا نتابعها مباشرة على الهواء، فتقرأ في «شام برس» مثلاً: «كلية الطب البيطري في حماة تزداد تألقاً مع مرور السنوات، كلية الطب البيطري بجامعة البعث تعمل على إعداد وتخريج أطباء بيطريين يساهمون في الحفاظ على الثروة الحيوانية»، في وقت يموت فيه السوريين بالعشرات وتتمّ تصفية الجرحى في المشافي!! هكذا خبر أي قارئ سيقنع أو أي مواطن سوري سيُطمئن؟! أما القتل والعنف فتقرأه في عنوان «نوعي»: «عملية نوعية لقوات حفظ النظام بملاحقة مجموعات إرهابية في كناكر بريف دمشق»!!
بالأمس أيضاً وتحت عنوان فرعي «إسرائيل تختلف مع واشنطن حول «إخوان سورية» وتركيا تلعب بورقة اللاجئين»، تقرأ باستهجان ما تفتّقت عنه عبقرية المحلل السياسي الذي وصل إلى خلاصة مفادها أنّ: «لكل دولة برامجها وجماعاتها التي تريد فرضها في سورية ولبنان، وهو موضوع حساس للغاية بالنسبة للإسرائيليين الذين راحوا فاختلفوا مع الأميركيين حول دعمهم لتنظيم «الإخوان المسلمين» في سورية، فإسرائيل لها رؤيتها التي تقول بأن الإخوان انتهى دورهم وأصبحوا خارج اللعبة في سورية، ولكن تركيا والولايات المتحدة ونوعاً ما دولة قطر لهم رأي يقود لدعم الإخوان وجماعات أخرى معهم تصبح لها قوة لتوقف الأخوان من العودة إلى سياساتهم القديمة»، ما الذي يستنتجه أي قارئ من هذا الكلام، أن إسرائيل هي المتمسكة ببقاء النظام في سورية لأن الإخوان انتهى دورهم؟!
و»أبله» ما قد تقرأه استعانة صحف النظام بأقوال أنيس النقاش عضو الحرس الثوري الإيراني سابقاً و»الباحث الاستراتيجي إن خدعة الأركان لبن علي هي التي أدت إلى سقوطه وليس التظاهرات وقرار الجيش في مصر عندما أعطى عمر سليمان قرار تنحية مبارك هي التي أدت إلى سقوطه وليس التظاهرات والآن الشارع اليمني يصل الى المليون ولم يسقط النظام لان جزءاً من الجيش مع الرئيس صالح وفي البحرين لم يسقط النظام لان الجيش مع الملك أما في سورية فالجيش والأمن والشعب كلها يداً واحدة مع الرئيس بشار الاسد وخصوصاً عندما خرج بيوم وساعة واحد 12 مليون سوري تأييد لمسيرة الاصلاح ودعماً للسيّد الرئيس عندئذ نقول إنه من المستحيل إسقاط النظام!!
إذا كان إعلام النظام يتّكل على هذه التحليلات والتنظيرات والقراءات، فهذا أسوأ بكثير من «غباء» إعلام تخلّف عن ركب التطوّر الإعلامي والتكنولوجي فعفا عليه الزمن، ووحده النظام ما زال يجد ربما أن لغته الخشبيّة المنحورة قد تجدي نفعاً!!