“وجهة نظر”..

كثيرة هي السوابق التي تُسجَّل في دنيا لبنان واللبنانيين هذه الأيام.. بل منذ سنوات ست تقريباً، مُحيلة التاريخ إلى مدوّنات فضفاضة لتلك السوابق والوقائع، وبوتيرة سريعة ملائمة لنبض العصر والزمان الراهن.
والسوابق تُرمى في كتب التاريخ لأنها سوابق لم يُسجَّل مثيل لها من قبل، واستحقت منزلتها تبعاً لفرادتها، بغضّ النظر عن طبيعتها ومضمونها، حتى لو كان ذلك المضمون يتصل مثلاً بعتهٍ فردي تمدّد في السياسة والإعلام.

ما شهدته جلسة الأمس في المحكمة العسكرية، في قضية المتهم بالتجسّس لمصلحة إسرائيل، العضو القيادي في التيار العوني فايز كرم، من أداء لبعض نوّاب التيار وعناصره، يدخل في باب السوابق المشهودة تلك. حيث يعمد "نوّاب عن الأمّة" إلى مهاجمة القضاء والقوى الأمنية الرسمية، والدفاع في المقابل عن متّهم، دوَّن بنفسه إعترافاته التامة بما ارتكب!

ليست السابقة الأولى التي تُسجَّل في خانة ميشال عون وتيّاره، ولن تكون الأخيرة. لكنها لافتة هذه المرّة، لأنّها تحاول الإيحاء بأنّ الدولة مفترية، والقضاء مفترٍ، والأجهزة الأمنية الرسمية مفترية، بل متآمرة على شخص واحد، أقرّ بنفسه أنّه ليس بريئاً.

والسالفة في أي حال، تُعيد إلى الضوء ما سبق وأن "فعله" "حزب الله" في قضية العملاء والجواسيس تحديداً. حيث أقيمت الدنيا وأُقعدت على مدى أيام وأسابيع عندما أوقفت القوى الأمنية الرسمية أحد المتّهمين بالعمالة في منطقة البقاع.. وشهيرة تلك الدعوة إلى تعليق المشانق. وأشهر منها تلك المقولة الخلاّبة عن "البيئة الحاضنة"! لكن في قضية كرم تحديداً، بُلعت الألسن، واختفت مطوّلات الأحكام المبرمة، والمواعظ الوطنية والأخلاقية، والتوظيفات السياسية الهشّة والركيكة.. وصارت القضية، أو كادت، "وجهة نظر" فيها (ربما) تبرير ما في "مذكرة التفاهم" بين "حزب الله" والتيار العوني.

الغريب في هذه الحفلة، أنّ ثقاة يؤكدون ويجزمون أنّ "حزب الله" هو أكثر العارفين بحيثيات قضية كرم. وأكثر المتأكدين من صلابة الأدلة الدامغة المتعلقة بها… ثم أكثر "المطنّشين" (عن هوى سياسي)!
.. وفي ذلك منتهى العجب. بحيث يُفهم أن ينسج الحزب تحالفاته السياسية خدمة لنهجه وسلاحه ومشروعه، وأن ينسى أو يتناسى في سياق ذلك ومن أجله، بعض تاريخ مَن ينصّبهم اليوم كمقاومين وممانعين لا يُشقُّ لهم غبار.. لكن ما لا يُفهم ولا يُبلع ولا يُهضم هو أن تُطمس قصّة العمالة تحت أطنان الشعارات والتفاهمات والتصريحات العابرة في ليل السياسة اللبنانية. ثم أن تصير هذه الفضيحة موضع تفاخر من قِبَل نواب وأجهزة سياسية وإعلامية تتستّر في آخر زمن بالممانعة وشعاراتها!

ليس مفاجئاً ذلك الأداء الفاجر، لكن المفاجئ فعلاً وحقاً، هو أن تلمّ "البيئة السياسية الحاضنة" للتحالف الممانع الراهن ظاهرة مثل التي شاهدها اللبنانيون بالأمس، وأن يُسكت عنها تماماً بتاتاً، في مقابل تخوين لا يخجل لأكثر من نصف الشعب اللبناني، فقط لأنّه في مكان سياسي آخر ومختلف.. غريب!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل