لطالما حيّرتني تلك المعادلة البسيطة التي تدفع اقوياء الى استعارة اداء ضعفاء، أو التي تجعل من أداء في مجمله غير متناسق مع قوة صاحبه وجبروته وبطشه!
.. كنت أتوقف كثيراً واستغرب تلك المعادلة المكسورة وذلك الالتباس غير المفهوم، كما ذلك التهميش الذي لا داعي له، لمفاهيم الأخلاق في العمل السياسي حتى لو كان في هذا العمل استدرار لممارسات غير أخلاقية لكنها تُبرَّر عند أصحابها وروّادها باعتبارها جزءاً من شأن عام ولا علاقة لها بالاشخاص وطبائعهم وعاداتهم وتربيتهم.
. ثم كنت استغرب كيف ان الانتهازية تبدو صنوا للنجاح، أو للوصول اليه، بل هي زفت الطريق ولا طريق من دونه! وان الكذب مرادف لأفعال الرجولة ولا تكتمل طبخة هذه من دون ملح ذاك! وان افعال البراءة – والاخلاق الحميدة والكريمة بريئة في ذاتها وأصلها وفصلها لا يمكن ان تسري في اي غابة مفتوحة على الضواري والكواسر تُسمى في الاعراف الحديثة مجتمعا سياسيا!
.. مستغربة وغير مفهومة تلك الظواهر، لكن ما لم يكن سهل الهضم والفهم، هو ذاك المتصل بالسيبة الراكبة بالمقلوب، والتي تتصل في بعض تفاصيلها بذلك التنظيم الحديدي المدجّج بكل أسباب القوة، ويصرّ على التصرف كأنه عصبة حزبية صغيرة ومغلقة ومطاردة. او ذاك المدعي احتكار تمثيل الناس بالجملة ويصر على التصرف مثل مختار في ضيعة نائية، اهلها لا يعرفون من الدنيا الا ما يخبرهم به، وهو كل عدته الاخبارية ليست إلا بهورة وصراخاً وزعيقاً مدراراً فوّاراً.. أو نظام الحزب الواحد ذاك الكامش في يديه من أسباب القوة ما يفيض عنه ويخاف مع ذلك من رشقة حبر على ورقة بيضاء فيها شبهة نقد! أو ذلك النظام العسكريتاري الحامل على اكتافه مشاريع عابرة للحدود وممهورة بالدمغة الآلهية ومع هذا يخاف من ترنيمات شاعر صعلوك اذا وجد اكثر من عشرة اشخاص يفهمون عليه يخرّ غاشياً على الأرض من النشوة!.
.. راكبة بالمقلوب. تعاكس منطق البناء وهندسته. وتثير دواعي الاستغراب، وتستفز مكامن الحيرة. كانت كذلك حتى "قذف الله بقبس من نوره في صدري" – على حد قول الغزالي فتيقنت ان السيبة ليست مقلوبة ابداً، وان المنطق بألف خير ولا ضيم فيه ولا مرض: حيث ان هرم الرمل الضارب في السماء لا يحتاج إلا الى نفخة ريح كي يهرّ ويُسوّى بالأرض. وحيث ان الحديد المرصوص لا يحتاج إلا الى بعض الهواء والملح كي يصدأ. وحيث ان انظمة الارهاب والرصاص تستطيع كل شيء الا تزوير إرادة الناس وان هذه الارادة عندما تفلت تحرك الجبال من مواقعها.. وحيث ان الحق يصرع مصارعيه مهما بلغ جبروتهم وعتوهم وصلافتهم ومنعة بنيانهم!.