#adsense

سماحة..شهرزاد

حجم الخط

هل كان بإمكان ميشال سماحة أن يبقى كتائبياً؟ بالطبع لا. لكن لو كان الأمر ليحدث لكان سيثير التعجب لأن حزب "الكتائب اللبنانية" لم تخرّج من صفوفها أشخاصا يشبهونه، الا قلة قليلة ممن كان عملهم في النظام السياسي اللبناني يقتضي قفزهم من مكان الى آخر وقول كلام حمّال أوجه وعلى رأس هؤلاء كريم بقرادوني.

لكن ميشال سماحة الذي لعب دور صلة الوصل بين "الكتائب" والسوريين، اختار بعد انتهاء الحرب أن يصبح الناطق الرسمي باسم النظام السوري في لبنان، لذا تم تعيينه مرات عدة وزيراً للإعلام، وفي عهد وزارته تم التعدي مرات كثيرة على وسائل الإعلام التي تتحدث عن الوصاية السورية او التي تطالب باستقلال لبنان، او التي تفضح العلاقة التبعية التي تربط سياسيين لبنانيين بضباط مخابرات سوريين.

بما أنه اختار أن يكون مساعداً لمستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان، فلا يهم العودة الى تاريخه الكتائبي، لأن حاضره هو الأهم وهو المدافع عن أطماع الآخرين بلبنان، وعن الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي، وعن قتل الحكام للشعوب تحت راية "الممانعة"، وعن الممانعة ذاتها كونها تحمي لبنان وهي لا تؤدي به سوى الى التهلكة فعليا، وعن اتهامه فرقاء لبنانيين بالعمالة لمجرد أنهم لا يوافقون أسياده الرأي، وعن رفضه المحكمة الدولية لأنها مؤامرة تهدف الى ضرب المقاومة.

ورغم تخرجهما من الحزب نفسه، الا أن بقرادوني ذكي، يعرف من أين تؤكل الكتف. أما ميشال سماحة فهو "مفوّه"، ليس بالمعنى الذي استخدمه العرب للقول إن فلاناً يتقن علم الكلام والخطابة والإقناع، بل بمعنى الشخص الذي يستخدم فاهه ليخرج منه الكثير من الكلام، فقط لا غير. كلام يلاحق كلاماً، والكلام مؤلف من جمل والجمل من أحرف وهذه كلها تخرج من الحنجرة وتتكون في أماكن مختلفة في الفم من سقف الحلق حتى نهاية الشفتين، ودائما يحملها اللسان الى الخارج. وهذا يعني أن مخرج الكلام من فمه لا بد سيقوم بجهد كبير لاستخدام أعضاء كثيرة في فمه، وهو بالتالي مفوّه، فيه شيء من شهرزاد لكنه لا يسكت عن الكلام المباح.

لكن مهمة المفوّه الجسدية لا تقارن بالمهمة الذهنية، اذ عليه أن يختار الأحرف جيدا ليركبها في كلمات، وعليه أن يختار الكلمات جيدا ليضعها في جمل، وعليه أن يختار الطريقة التي يقول فيها الجمل، كأن يخرجها حادة أو خفيفة أو مضطربة أو رائقة، وهو لذلك يستخدم عضلات وجهه، فيبدو حزينا حين يجب، أو غاضبا او فرحا او ثوريا او عفويا او مفكرا او محللا، حين يجب. وعليه أن يحسن استخدام يديه أيضا، كأن يضعهما على الطاولة في حالة الهدوء أو يرفعهما عالياً في حالة الغضب. وهذا كله لا ضير فيه، فعلى كل من يختار أن يكون مفوّهاً أن يقوم بكل هذا الجهد، لكن المشكلة تكمن في أن يقوم بكل هذا الجهد، ثم لا يقول شيئا، او يقول شيئا بلا معنى، او يقول ما هو غير منطقي وفيه كثير الإدعاء و"البهورة" كما يقول اللبنانيون.

على سبيل المثال، أن نظام "البعث" في سوريا هو نظام ديموقراطي، وان المحتجين ينتمون الى العصابات المسلحة، جميعهم وبلا استثناء، أما القابعون في السجون فهم من مرتكبي الجرائم والجنايات ولا وجود لما يسمّى معتقلي الرأي في سوريا. ومع ذلك يريد النظام أن يقوم بإصلاحات ويحاول الإتصال بالمعارضة من أجل إطلاق حوار حول الإصلاحات، وهذا كله كرمى لعيون العصابات المسلحة و"الشبيحة". هذه عيّنة من الكلام خبط عشواء الذي يطلقه المفوّه.

أو مثلا، أن المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري هي محكمة مسيّسة، والدليل أن "دير شبيغل" كشفت القرار الاتهامي قبل أشهر من صدوره، وأوقفت الضباط الأربعة ومن ثم أطلقت سراحهم. والمفوّه يعرف أن التسريب يمكن أن يتم من قبله هو شخصياً أو من قبل المتضرر أيضاً لأنه بذلك يدفع عنه الشبهات، وأن التسريب لا يعني أن المحكمة مسيّسة طالما أنها تتهم أشخاصا وليس أحزابا او دولا، وهي تتهمهم بناء على قرائن وأدلة جمعها المحققون على مدى سنوات، وقد يأخذ بهذه القرائن قاضي المحكمة وقد لا يأخذ بها. فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته. ولكن بالنسبة لأي مفوّه يجب إستخدام أي كلمة ولو خاطئة وتكرارها ومن ثم تكرارها أمام الجمهور حتى تصبح الكلمة هذه جزءاً من وليمة الجمهور اليومية. وبالطبع فإن القول أن المحكمة مسيسة هو اسهل بكثير من الجلوس لتفنيدها وبحثها قانونياً، وأفيَد للمتهمين وللذين سيتهمون فيما بعد.
ميشال سماحة مفوّه حقيقي، يمكن منحه جائزة اسرع متحدث بكلام بلا طائل.

وليس غريبا ان تعلن الإدارة الأميركية في العام 2007 قرار منعه من دخول أراضيها بصحبة شخصيات لبنانية وسوريا عدة بحجة "التورط أو إمكانية التورط في زعزعة الحكومة اللبنانية"، و"رعاية الإرهاب أو العمل على إعادة ترسيخ السيطرة السورية على لبنان". هذا المنع من ضمن العدة التي يستخدمها ميشال سماحة ليركّز وجوده داخل منظومة "الممانعة"، وهو لا بد يفتخر بهذا الأمر.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل