قرأت بمزيد من الأسى…والفرح، كلام نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، الذي دعا إلى الرجوع لـ "الوثائق والحجج التركية التي تثبت من هم أصحاب الأرض في لاسا الذين يسكنون هذه المنطقة منذ زمن طويل"… مضيفاً "أنه إذا كان هنالك من لا يملك أرضاً فإننا نعطيه الأرض، ومن يريد ان يتعاطى معنا بفوقية وظلم، فنحن بالمرصاد لكل غاشم وظالم".
كان صادقاً وحقيقياً كلام الشيخ قبلان، لانه التعبير الاكثر جدية عن واقع الحال، وإن كان فجّاً وقاسياً؛ ولو ان من ليس له ارض لن يستعطي منه ارضاً.
يؤكد كلام قبلان أكثر فأكثر، أن هذا اللبنان المتمسك بشرايين النجاة منذ ان ولد، يسعى عبر دساتير ومواثيق وتسوياتٍ لايجاد حلول وصيغ لعيشه المشترك. هذا العيش الملتبس والضائع بين رغبة مواطن في الانتماء الى وطن، وخوفه المتردد ليلوذ بطائفته.. تحميه ويحميها.
الى أن جاء الطائف وفكّ حصرية السلطة التنفيذية في رئاسة الجمهورية، ليوزعها على مساحة الحكومة "الفيديرالية المشوّهة"، والممثِّلة لأكثرية المجموعات الطائفية. وجاء من بعده، ما يقوّض أصول تطبيقه نتيجة الخلل المستدام في موازين القوى.
لكن اللافت، ان لتوزيع هذه القوى في لبنان، بياناً يتنقل انحدارياً او تصاعدياً بين الطوائف، وفقاً لواقع العلاقة مع دولة راعية تستفيد منها الطائفة، وتستفيد هي، اي هذه الدولة، من الطائفة، الى حدود الاستخدام.
مروحة الخيارات في لبنان، ليست واسعة، لكنها قابلة لاستيلاد وطن، بلغت استقلالية طوائفه حدّ دعوة رؤسائها الى الدفاع عنها ضد استكبار الآخر،"المستكبر او الغاشم".
ليست إشارات لاسا بالاولى ولن تكون الاخيرة، ولكن يجب على حدود العقل في المواجهة، ان تطلّ الى الواجهة، وعبر معايير اساسية، هذه ابرزها:
– تعزيز حقوق الطوائف اللبنانية الى الحدود القصوى، لأن لا مكان او امكان لعلمنة الدولة، قبل استنفاد هذه التجربة عملياً وعملانياً ..ونهائياً.
– تعيين ال ombudsman أو "وسيط التحكيم والحلّ للاقليات" ضمن المناطق ذات الاكثرية الطائفية، تماماً كما في يوغوسلافيا السابقة، وفي أكثر من خمسين دولة في العالم، جعلت من هذا الموقع حقاً اضافياً يزيد في حماية حقوق اقلية ضمن أكثرية.
ولكن مع فارق بسيط يعني لبنان، أن ال ombudsman في جبيل مثلاً، وحيث تقع لاسا يجب ان يكون شيعياً، لأنهم هم الاقلية ويحتاجون الى دوره ليُجانب السلطة المركزية، بينما في النبطية او طرابلس مثلاً، فعليه ان يكون مسيحياً، وبشكلٍ حتمي.
لكن هذا الفارق، تسقط ظروفه في صناعة الفرق، نتيجة فائض القوة -المؤقتة- لدى الطائفة الشيعية.
– وآخر المعايير وأهمها، أن نعترف بالآخر المختلف وحقه في الكرامة وفي الحياة المبنيين على مجرّد وجوده وكينونته، وليس على قوته، وأن نؤيد كلام الشيخ قبلان ضد الاستكبار، ولكن من أي جهة أتى هذا الاستكبار، لأن القوة المفرطة حكماً مؤقتة، أمّا الآخر… فباقٍ!