لن يشهد شهر آب ولا أيلول الذي يليه أيّ لقاء على مستوى طاولة الحوار التي يعمل من أجلها رئيس الجمهورية ميشال سليمان. ويجزم العارفون بحقيقة المواقف ومعها النوايا أنّ الطبخة لم تستوِ بعد. فالتطورات الأخيرة التي أعقبت توليد الأكثرية الجديدة 25 كانون الثاني الماضي، وما رافق صدور الدفعة الأولى من مذكّرات المدّعي العام للمحكمة الدولية، وضعت هذه الطاولة في آخر سلّم الإنجازات الموعودة إلى حين.
ويعترف مَن التقى رئيس الجمهورية الى الآن بأنّه جادّ في اتّخاذ كلّ الخطوات التي تكفل إحياء الطاولة ومهما كان الثمن. فبرأيه لا بدّ من هذا الحوار مهما كانت المواقف المسبقة منه، فهو يدرك أنّ اللقاء مفروض على الجميع، ولا يستطيع أحد التفرّد بالحكم، فالتجارب السابقة عديدة ولا تحمل الكثير من الجدل، وهو ولهذه الغاية سيواصل اللقاءات بالمفرّق في هذه المرحلة. وهو وضع برنامجا لن يستثني منه أحدا من القيادات اللبنانية التي كانت تتحلّق حول الطاولة بنسختيها السابقتين، إلّا من يستثني نفسه. فالمرحلتان السابقتان من هذه الطاولة انتجتا الكثير من الحلول للكثير من المعضلات، كما شكّلت الاجتماعات في مرحلتيها الاولى بعد أسابيع قليلة على انتخابه في 25 أيّار 2008، والثانية في 16 أيلول 2009 واللتان حاصرتا الكثير من الأزمات وأرجأت بعضها ووفّرت ظروفا هي الأفضل لعبور بعض الاستحقاقات الأمنية والانتخابية.
لن يدخل الرئيس سليمان في الكثير من التفاصيل اليوم إلى مرحلة لاحقة، لكنه أبلغ مَن التقاه تحت هذا العنوان صراحة أنّ لديه سلّة من الهواجس التي دفعته الى إعادة مسعاه، وهو يبحث عن صيغة ومقاربة جديدتين للطاولة تتلاقى والمستجدات السياسية التي شهدتها البلاد على مستوى الشكل فحسب، وليس على مستوى المضمون، فهو يصرّ أنّ استئناف الاجتماعات لن يتمّ إلّا تحت عنوان "الاستراتيجية الدفاعية"، فهي العنوان الأبرز الذي ظلّل اللقاءات السابقة ولم تنجزه بعد، كما بالنسبة الى العديد من القرارات الأخرى التي اتّخذت قبل أن يتولّى رئاستها وإدارتها والتي لم تنفّذ بعد. لكن هناك أجواء توحي بإمكان العبور من خلالها الى المرحلة التي يمكن أن تقرّ الطاولة بنفسها أهمّية أن تبحث في ملفّات وعناوين أخرى، ولن يتمّ ذلك إلّا بتوافق الجميع دون استثناء.
ولا يتنكّر العارفون أنّ الرئيس سليمان تلقّى بعض الاقتراحات التي يمكن أن "يتسلّل منها" الى توفير الإجماع على استئناف الطاولة وتقليص الاعتراضات والقراءات التي أجمع عليها أطراف المعارضة الجديدة من أقطاب قوى 14 آذار، باعتبار الطاولة مناسبة "لتبييض" الحكومة الجديدة و"تكريس الاعتراف بالانقلاب" الذي جاء بالحكومة الأخيرة من لون واحد. ومن هذه المقترحات ما نقل بأنّ رئيس المجلس النيابي نبيه برّي اقترح إمكان تنفيذ بعض الخطوات التي أقِرّت سابقا، ومنها ما يتّصل بجمع السلاح الفلسطيني خارج المخيّمات توطئة لبرنامج خاص بتنظيمه في داخلها، والتي في حال القيام بها تفتح كوّة في جدار الرفض ليعود الجميع إلى الطاولة.
ويضيف العارفون إيّاهم أنّ رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط يحضّر لسلّة من الاقتراحات التي سيرفعها إلى رئيس الجمهورية من موقعه الوسطي الذي يسعى الى تكريسه في كلّ مناسبة. ومتى جاء دوره للقاء رئيس الجمهورية في قصر بيت الدين، والمرجّح في منتصف الشهر المقبل، سيكشف عنها وسيطرحها تحت عنوان "وجوب تحصين الوضع الداخلي كي لا يتأثّر لبنان بما يحصل في محيطنا العربي وسوريا بشكل خاص". وهو – أي جنبلاط – طرح عددا من هذه الأفكار في اللقاء الموسّع الذي ضمّه وفريقه الوزاري والبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي وسلفه البطريرك مار نصرالله بطرس صفير في الديمان أوّل أمس. وقد اختار جنبلاط المناسبة ليدلي بما يفكّر فيه وينوي القيام به على هامش الحوار الذي تناول تجربة البطريرك الراعي المستحدثة مع "طاولة الحوار المارونية الرباعية" التي رعاها في الأشهر الأخيرة في بكركي. ومنها اعتبر جنبلاط أنّه "لا بدّ من أن نكون معا في هذه الورشة التي لا يمكن أن تبقى في إطارها الماروني" كما قال للبطريرك الراعي، لافتا إلى دور يمكن أن يلعبه الراعي في تسهيل الحوار على المستوى الوطني العام، وطاولة بعبدا واحدة منها.
ولأنّ المنطقة المحيطة بلبنان تعيش مرحلة استثنائيّة يعتقد رئيس الجمهورية أنّ عليه مهمّة استثنائية في توفير الظروف التي تؤدّي إلى إحياء الحوار بواسطة مقاربة استثنائية، ولذلك فهو يعتزم توسيع حلقات المشاركين في اجتماعات هيئة الحوار، بحيث تضمّ شخصيات اقتصادية ومن المجتمع المدني من أجل الإحاطة بملفّ الاستراتيجة الوطنية من مختلف جوانبها.
ويقول العارفون إنّ سليمان لا يستعجل خطوة التوسيع هذه، ولن يناقشها مع الأقطاب قبل ضمان عودتهم الى الطاولة. وهو يستند في مقاربته المستقبلية الى الدراسات النهائية التي جمعها فريق العمل الذي واكب اللقاءات الحوارية السابقة وتوصّل الى الكثير من الأفكار التي جمعها من سلسلة أوراق العمل التي أغرقت فيها الطاولة في الاجتماعات التي أعقبت حرب تموز بدءاً من جلسة 16 أيلول 2006. بالإضافة الى مضمون ورقة عمل أخرى أنجزها فريق الضبّاط المعاون للرئيس ومن انتدبهم أقطاب طاولة الحوار إليها والتي أنجزت عملا كبيرا يشكّل مناسبة للبحث في بعض المقاربات الجامعة، وخصوصا تلك التي تتناول انعكاسات طاولة الحوار في كلّ المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية منها بنوع خاص، فلا فصل في عالم اليوم بين ما هو أمن سياسي أوأمن اقتصادي أو أمن اجتماعي.
وخِتاما، لا بدّ من الإشارة الى أنّ موزاييك المواقف الأخيرة لا يوحي بإمكان عقد طاولة الحوار مهما اشتهى الداعون إليها، ومهما بلغت طموحات الساعين الى التربّع حولها بمعادلات جديدة قامت على أكثر من مستوى. فالمرحلة هي لكلّ مَن يهوى شدّ الحبال وتصليب المواقف ورفع السقوف العالية، وما هو منتظر من استحقاقات تعني المحكمة والدفعات المقبلة من القرارات الاتّهامية سيرفع من لهجة المتخاصمين، ومعها التحدّيات التي أتت مرهونة بـ "حرب النفط والغاز" بعد تلال كفرشوبا ومزارع شبعا… وإذا استمرّت أجواء التحدّي على ما هي عليه فقد ينشغل رئيس الجمهورية ومعه الوسطيّون الجدد بالإعداد لطاولة حوار لمعالجة الوضع الحكومي وطيّ الأزمات المتوقعة في داخلها. وقد يزيد الطين بلّة ما يستجدّ على الساحتين السورية في شهر رمضان، والفلسطينية عند استحقاق الإعلان عن الدولة الفلسطينية في أيلول.
ولذلك كلّه، يرجّح العارفون أنّ المنظّرين في شعار "الحوار المفقود" سيتصدّرون الشاشات، ولكن ماذا بعد؟