صار لنا في لبنان جيشان "رسميان"، بـ "عيد" أي منهما نحتفل؟!
كلام كبير من مواطنة عادية، لكن ميزته انه كلام نابع من قلب الخوف. انا الطفلة الكبيرة ما زالت في بالي صورة الجيش اللبناني، الذي يخترق بكبرياء الكبرياء ساحة الشهداء، في استعراض عسكري رائع. الاستعراض لم يكن رائعا لان فيه بعض الاسلحة، لكن كنت أرى فيه وجه الكرامة في هذه الارض. الفرق العسكرية التي تتقدم الدبابات، موسيقى الجيش والدرك، فوج المغاوير، فوج التدخل، المجوقل… ساعتان ليس أكثر، كانتا كافيتان لنشعر بالامتلاء من الوطن والجيش. أين الامتلاء الان؟ في الثلاثية المجيدة؟ الشعب الجيش المقاومة؟
عنتر الضاحية، أفصح عن بعض عنترياته فيما خص هذه الثلاثيته. أخبرنا رئيس حكومتنا الفعلي، والرئيس الخلفي لجمهوريتنا الهزيلة النحيلة، المصرّة على اتباع ريجيم سيادي قاس، أخبرنا صراحة، انه منهمك الان في ترتيب البيت اللبناني الداخلي، ومن أولوياته المؤسسة العسكرية، ثم إحصاء الثروات المحلية! هو بالاساس يقبض على أكثر من نصفها، له الان أن يمتلكها كلها، ومن دون عناء يذكر. الثروة البحرية اضافة جديدة.
كل يوم اضافة جديدة مجيدة، تُعلّق تحديدا على كرامة الجيش اللبناني! التعدّي على اليونيفل. احتلال منطقة الجديدة لساعات من قبل أعلام النظام السوري، بحماية ورعاية وتنظيم عناصر الانضباط في "حزب الله"، احتلال الضاحية، احتلال الجبال العالية، ومصادرة كل ما هو طبيعي ونادر في بلاد الارز والسنديان، اختطاف الارواح وخطف البشر، الذين لا تتناسب تنهداتهم وقياساتهم قياسات القمصان السود. احتلال الحكومة بطبيعة الحال، ومصادرة قرار القصر الرئاسي… وحكايا وبطولات والدرب الحكومي ما زال في أوله، ونحن والجيش والعالم كله، نتفرّج على تقهقرنا. على انتحارنا. على موتنا السريري.
محزن هذا الكلام، وربما ليس من حقنا أن نقوله، لكن بقدر ما هو محزن هو واقعي. ومن حقنا أن نتوجّع، أن نحزن، أن نيأس، أن نغضب، أن نثور. الثورة. الثورة. الثورة…. الى ما لا نهاية السطور.
أنا المواطنة اللبنانية، يحق لي أن أفخر بجيشي. جيش نهر البارد، والجيش الذي حارب جنبا الى جنب، جنبا الى جنب، وساند، ساند "حزب" الله في حرب تموز المفتعلة. هذا جيشي. هذا الذي أطمح أن أراه، وليس الجيش الذي يقف خلف الشارع، في خلفية المشهد ليتولى عناصر القمصان السود، الغربان السود، نعيق الذل، أن يتولوا بالقوة حماية تظاهرة أو شارع أو زاروب، ويرسمون خارطة الحرب والسلم.
أريد الجيش في كل الزواريب، حتى في زواريب شعر رأسي، بين الرموش. رمشا رمشا. بين رفة العين والجفن، أريده خط التواصل بين القلب والعقل والرؤيا. اريده لي أنا وحدي، من دون أن أتقاسمه الا من كان برتبتي. رتبتي مواطنة لبنانية صادقة على شفير حلّين: اما الرحيل من أرض الوجع هذه، واما الثورة، لتعود صورة العرض العسكري الجميل، الذي يخترق ساحة الشهداء بكبرياء الكبرياء.
انا المواطنة غير الضعيفة، غاضبة ثائرة حاقدة، ايه وبصوت عال "حاقدة" على الخنوع، على قبول الامر الواقع، على الاحتلال المجيد، الاغتصاب المديد… أنا أحب جيشي، والحب لا يكتمل، الا اذا تعانق الطرفان وأنجبوا الثمرة. نتعانق وجيشنا لننجب السيادة والكرامة، الكرامة الكرامة… الى آخر السطور.