شكّل الموقف الذي أطلقه الامين العام للجامعة العربية نبيل العربي خلال زيارته دمشق قبل ثلاثة اسابيع صدمة للرأي العام العربي، ولا سيما عندما أتت تصريحاته خالية من كل اشارة الى حمام الدم في سوريا، وقد اكتفى بأن اكد ان الرئيس السوري بشار الاسد يسير قدما بالاصلاحات… فالعربي كان يقوم بجولة تعارف بروتوكولية على اثر تعيينه امينا عاما للجامعة العربية خلفا لعمر موسى، بدا من خلال هذا الموقف الذي لاقى استهجان ملايين السوريين والعرب، عاد وقال انه تحدث مع الاسد عن الاصلاحات وعن امور اخرى فضل عدم الافصاح عنها. وكأنه كان يريد الايحاء ان الحديث شمل ايضا موضوع الحل الامني في سوريا. ولكن العربي لم يذهب الى ابعد من ذلك.
من حيث المبدأ، تمثل الجامعة العربية النظام العربي الرسمي، أي الانظمة. وتصاغ ارادتها من خلال قرارات الحكومات المشاركة فيها. ومع انها نسخة مصغرة من الامم المتحدة إلا ان طغيان عامل الاستبداد على معظم الانظمة العربية يجعل من المستحيل على الجامعة ان تنطق بغير ما تقرره الانظمة ولا سيما الكبرى منها، وهي معدودة. ومع أن قضية ليبيا شكلت استثناء في تاريخ الجامعة العربية عندما دعت الاخيرة الى تدخل لمنع قتل الشعب الليبي الثائر، وجرى تعليق عضوية حكومة القذافي، فقد فتحت الطريق أمام قرار من مجلس الامن ادى الى تدخل حلف الناتو عسكريا. عدا هذا الاستثناء لا شيء، مع ان النظام في سوريا تجاوز في "معالجاته" الدموية ما فعله القذافي، فقد قتل الى اليوم ما يقارب الالفي مواطن، وجرح أكثر من خمسة عشر الفا، واعتقل ما يربو على الاثني عشر الفا، فضلا عن الاعتداءات المنهجية على املاك المواطنين وارزاقهم، والتضييق والاغلاق الدائم لعشرات المدن والقرى. ففي عمل يذكر بالاجراءات التي يتخذها الاسرائيليون ضد ابناء القدس وجوارها ايام الجمعة، قامت أجهزة المخابرات السورية المؤتمرة بأوامر القيادة طبعا، بسدّ الطرق الى العديد من الجوامع في مدن عدة، ومنع المصلين الذين تبلغ اعمارهم دون الخمسين عاما من الصلاة في الجوامع. الامر يستدعي سؤالا بديهيا: ايهما أشد ظلما، اسرائيل ام النظام؟ سؤال برسم الجامعة العربية!
أكثر من ذلك، فإن من يتوقف قليلا عن قتل الاطفال، واطلاق النار على النساء، وقتل الفنانين بإقتلاع حناجرهم، لا بد أن يمعن التفكير في مآل الستالينيات العربية، والنظام في سوريا نموذجها الصارخ، عندما توشك أن تخرج من التاريخ فيلجأ اصحابها الى الدم املا بإيقاف عجلة التاريخ.
قبل ان يتوفاه الله ببضعة أسابيع كنت أتحدث مع زميلي الذي رحل عنا قبل ايام سهيل عبود عن الوضع في سوريا، فقال لي ما لن انساه ابدا، قال: ان مشكلة النظام في سوريا ان الموجة (من امواج) انقلبت عليه بحيث صار كل ما يأتي به في غير مصلحته، وفي النهاية لن ينجو. انها مفارقات التاريخ.