#adsense

“القرمية” في خدمة “اللحودية”

حجم الخط

ليست الكيدية وحدها هي التي تحرّك السلطة الجديدة، "الإنقلابية"، التي تسعى جاهدة الى تكرار تجربة 1998 2000، حين استطاع حلف إميل لحود حزب الله سوريا إقصاء الرئيس رفيق الحريري عن السلطة، في محاولة للاستيلاء على الجمهورية الثانية وتحويلها الى دولة عسكريتارية.

ليست الأكاذيب وحدها، إنما الأوهام الإيديولوجية أيضاً هي التي تحفّز السلطة الجديدة عام 2011 للانقضاض على جمهورية الطائف، الجمهورية "المستأنفة" عبر انتفاضة الاستقلال ومشروع 14 آذار لـ"العبور الى الدولة".
أوهام وأضاليل 1998 2000، يعاد إنتاجها اليوم من غير تعديل سوى بالأسماء. لذا، وإن كنا نريد أن نفهم وندرك "السياسات" التي ستعتمدها حكومة "ميقاتي حزب الله" فما علينا سوى مراجعة تلك الحقبة ورموزها.

تشكل "السياسة المالية" المرتكز الأساسي في توليف تلك الأضاليل والأوهام، بقدر ما تشكل المادة الخام لـ"التحريض" وإثارة الغبار وافتعال المعارك، التي تجرف الرأي العام نحو النقمة أو الخوف أو الشك والريبة. "المالية" كانت هي مفتاح المشروع الاقتصادي لرفيق الحريري من أجل النهوض بلبنان. وهي كانت ولا تزال، من إميل لحود الى ميشال عون، مفتاح الأضاليل القاتلة.

من وسواس "الفساد" الى عقيدة "المال النظيف" (الحلال) الى شعبوية مقت الرأسمالية الى "أيديولوجيا التعتير"، تتكوّن عقلية مناهضة "الحريرية". هكذا في حقبة اللحودية جيء بوزير المالية جورج قرم، بوصفه الخبير الاقتصادي و"المثقف" و"المستقيم" كي يمسك بالدفاتر والحسابات والخزينة.

اشتهر جورج قرم في أواسط التسعينيات بوصفه واحداً من أهم المنظّرين الرافضين لمشروع إعادة إعمار وسط بيروت، إذ أصدر عام 1992 كتابه "إعمار بيروت والفرصة الضائعة". وجاء الى حكومة الرئيس سليم الحص حاملاً مسطرته ومعادلاته الأكاديمية، إصلاحاً وترتيباً لاقتصاد صعب. جاء بحماسة مكبوتة ضد الحريرية وحذر علني من الفشل. جاء بآمال تشوبها نزعة تشاؤمية وتشكيكية راسخة. ولذا تواضع عن أي وعود، وتمنّع عن الإفصاح عن خططه أو أفكاره. وهذا الغموض كان عينه مصير الاقتصاد اللبناني ووجهته.

ولادته وطفولته كانتا في الاسكندرية حيث عاشت أسرته التي ما لبثت أن عادت الى لبنان بعد الثورة الناصرية. ولأن جده داوود القرم كان من رواد الفن التشكيلي اللبناني، ثم تبعه في ذلك والده كرسام تشكيلي، وجد جورج نفسه مدفوعاً الى الفن والثقافة، فخرج الى باريس بنيّة دراسة الموسيقى وعزف البيانو، لكن الأب الذي قمع هذه الرغبة، جعله دارساً لعلم الاجتماع والحقوق والاقتصاد، من دون أن يتخلى عن ميوله الى الفنون والأدب، بل أنه أصدر رواية فرنسية بعنوان (lamu) في الثمانينيات.

هذه الأجواء تجعله بعيداً عن السياسيين التقليديين، على الرغم من أنه بعد دراسته، عاد الى لبنان لينضم الى موظفي البنك المركزي، وليكون واحداً من "الشهابيين" الجدد الذين لا يرون تناقضاً في الجمع بين الفرنكوفونية الثقافية والعروبة السياسية، ولا يجدون غرابة في الجمع بين المزاج الثقافي (الأدبي الموسيقي) والعقلية الاقتصادية، وكل ذلك في إيمان بلبنانية علمانية (يسارية) وإصلاحية تطهيرية تستبدل نفسها "بالطبقة السياسية المهترئة" (حسب تعبيره).

شخصية جذّابة، لا شك، لكن وعلى الرغم من أنه يرى أن مشكلة لبنان الأولى تتمثل في سياسييه المحترفين والتقليديين إلا أن أول "فعل" سياسي له كان تورّطه في وزارة إميل لحود سليم الحص.
عطبه الأول قلة خبرته السياسية. وإذا كان مثالاً لـ"الموظف" الشهابي الذي ترعرع في حضن البنك المركزي، فإن وعيه السياسي ونظرته الاقتصادية ناشئان ومتأثران من حادثة مركزية واحدة: أزمة بنك انترا. إنها "تروما" من الاقتصاد الرأسمالي، وشعور راسخ بعدم الأمان لدور لبنان الاقتصادي الخدماتي والمصرفي.

هذه التروما، معطوفة على يسارية أوروبية "إنسانوية"، حكمت رؤية قرم وعمله، أكان ذلك في مكتبه الاستشاري في فرنسا الذي عمل على مساعدة اقتصاديات العالم الثالث عموماً، أو في دول عربية عدة منها الجزائر وتونس وسوريا.. بالإضافة الى ألبانيا.

أما وصفته الشهيرة للاقتصاد اللبناني (وقد عرضها في أكثر من كتاب) فيمكن تلخيصها بثوابت عدة: فك الارتباط بالدولار، أولوية الإنتاج، تبخيس اقتصاد الخدمات (وإزدراؤه)، "إصلاح" سياسي، تنمية متوازنة، أولوية السلم الاجتماعي على "النمو"، مناهضة الرأسمالية الليبرالية بلحمها الجديد، أو ما يعرف بـ"اقتصاد السوق".

بطبيعة الحال، كانت "مساعدته" لاقتصادات الجزائر وتونس وسوريا قد أفضت الى كوارث مالية (خصوصاً في الجزائر) وركود مديد وتصلّب في شرايين الإنتاج، بالإضافة طبعاً الى كارثة موازنة 1999 2000 في لبنان، التي كان عنوانها "الخطة الخمسية" التي لا تذكّر إلا بخطط الدول الاشتراكية الإفلاسية.

كان إرث جورج قرم في "المالية" واحداً من الأعباء الإضافية، التي كان على لبنان أن يحملها من باريس (1) الى باريس (2 و3) وحتى اليوم. وها هو يعود راهناً تحت اسم جديد

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل