صحيح أن الهتافات في تل أبيب ومدن إسرائيلية أخرى هي باللغة العبرية لكنها مستوحاة من تلك التي يُطلقها الناشطون في الربيع العربي. "الشعب يريد العدالة الاجتماعية". كانت مسألة وقت فقط قبل أن تصل حمى الثورة إلى إسرائيل، وقد تنجح في زعزعة حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في هذه المرحلة حيث تعجز أي وسيلة أخرى عن تحقيق ذلك.
فالاحتجاجات التي بدأت في خيمٍ للمطالبة بخفض بدلات الإيجار وتأمين مساكن أرخص ثمناً تحوّلت بسرعة مطالبة جماعية في صفوف الطبقة الوسطى بالتغيير والإصلاح تحقيقاً للعدالة الاجتماعية. يعتصم أزواج شباب ومهنيون وجنود ومجندات وصحافيون وناشطون في خيم للمطالبة بتعديل أساسي في أولويات الموازنة الحكومية. وقد انضمّت مجموعة جديدة إليهم الأسبوع الماضي، فقد جرّ أزواج شباب عربات الأطفال أمامهم للمطالبة بتحسين معايير العيش وتوفير خدمات أفضل. ومن المقرّر أن تحطّ العربات رحالها أمام الكنيست اليوم الاثنين تعبيراً عن الاحتجاج.
لم يكن رئيس الوزراء الإسرائيلي ليتوقّع أن يصدر التحدّي الأكبر لولايته الثانية عن شباب يعتصمون في خيم أو عن عربات الأطفال. فهو يتخبّط الآن لمعالجة أزمة داخلية قد تُهدّد في نهاية المطاف بإطاحته من منصبه. ومن جهة أخرى، ينتظره استحقاق آخر في أيلول إذ يُرتقَب أن يطلب الفلسطينيون من الأمم المتحدة الاعتراف بالدولة الفلسطينية. لقد تكلّمت الطبقة الوسطى الإسرائيلية بصوت عالٍ وبوضوح، وإذا استمرّت على المنوال نفسه وبالوتيرة عينها، فقد تثبت فاعليّتها عبر إحقاق العدالة الاجتماعية التي يبدو أن الإسرائيليين لم يعودوا مستعدّين للعيش من دونها.
كُتِب في إحدى اللافتات في تظاهرة بتل أبيب: "لا يبنون منازل لليهود، ويدمّرون منازل العرب. نريد مساكن للجميع!". السكن هو المشكلة الأساسية التي كانت وراء التظاهرات، ولكن الآن يريد الإسرائيليون المزيد، ويبدون مصمّمين على النضال الى أن تتحقّق مطالبهم الاجتماعية. إنهم يطالبون حكومتهم بتغيير أولوياتها كي يتمكّنوا من عيش حياة أفضل. ينشط الإسرائيليون في التعليق على المستجدّات الأخيرة على الشبكتَين الاجتماعيتين "تويتر" و"فايسبوك". وذكر كثر بينهم أنه حتى أنصار تكتل ليكود الذين يشاركون في التظاهرات بدأوا يهتفون "بيبي ارحل". ألا يشبه هذا الهتاف الصرخات التي يطلقها عرب كثر منذ تشرين الثاني الماضي؟ بلى بالتأكيد. الفارق هو أن وضع الإسرائيليين لا يبدو ميؤوساً منه بقدر وضع اللاعبين في الربيع العربي، وعلى الأرجح أن الإسرائيليين لن يجنحوا إلى العنف. إلا أنه لا يمكن توقّع رد فعل نتنياهو اذا اشتدّت الضغوط عليه داخلياً وخارجياً. هل يحذو حذو جيرانه العرب ويلجأ إلى العنف لقمع الاحتجاجات؟ هل يأمر بشنّ غارة أو حتى يشنّ حرباً للإلهاء؟ هل يستجيب لمطالب المحتجّين ويُطلق حقبة جديدة من الإصلاح الاجتماعي؟ أم يرحل فحسب؟