حصل ما كان متوقعاً، أرسل الرئيس السوري بشار الأسد دباباته لتقتحم حماه في مسعى منه لكسر زخم الثورة السورية العارمة، كما توقعنا منذ البداية لن تتوقف، بل انها توسعت حتى صارت معه التظاهرات المليونية أمراً طبيعياً في حماه أولاً، ثم في دير الزور، في انتظار أن تنضم حلب والعاصمة دمشق. وقد شكلت حماه التي ارتكب الأسد الأب سنة 1982 فيها مجزرة مخيفة ذهب ضحيتها بين عشرين وثلاثين ألف مواطن. وقد دمرت المدينة فوق رؤوس أهلها بحجة الاقتصاص من مجموعات تابعة لـ"الاخوان المسلمين" حملوا السلاح بوجه النظام آنذاك. ومن المعلوم أنه يستحيل أن يجد المرء عائلة حموية واحدة لم تصب أقله بفرد من افرادها خلال تلك الحملة الدموية التي قادها حافظ الأسد من اجل الحفاظ على نظامه بأي ثمن. وقد غض العالم الطرف عن المجزرة في زمن الثنائية القطبية. ويومها "سوّق" الأسد الأب المجزرة على أنها لمحاربة التطرف ومر الأمر…
في حماه اليوم شباب يقتلون على يد رجال الرئيس بشار الأسد، مثلما قتل آباؤهم قبل ثلاثة عقود على يد رجال حافظ الأسد، بالرصاص والقذائف التي دفعوا ويدفّعون ثمنها الشعب. وكل ذلك من اجل البقاء بأي وسيلة.
لقد ذهبت الثورة بعيداً، وصار المطلب الأساسي دفن جمهورية حافظ الأسد، بدءاً بإسقاطها بالكامل بمؤسساتها الأمنية المخابراتية، ورموزها السياسيين والأمنيين والماليين، وما عاد من الممكن الذهاب نحو تسوية تبقي النظام حتى بصيغة معدلة مخففة أو مقنعة يسعى اليها بشار الأسد، ويحاول أن يقنع بها المجتمع الدولي في أنه رجل دولة يحاور ويجري اصلاحات في النظام لتأمين انتقال سلس نحو تعددية سياسية معينة. ولكن الواقع على الارض الذي تثبته سياسة دموية منفلتة من عقالها، لا تودي إلا الى مواجهة مفتوحة بين "جمهورية حافظ الأسد" والثورة السورية التي تؤكد في كل يوم ومن خلال التضحيات الجسيمة على حقها في أن تدفع سوريا نحو التغيير الشامل.
لم يعد من مستقبل ممكن لسوريا من دون التغيير الشامل في كل شيء. فما يحكى عن اصلاح بالادوات الموجودة، أي مع استمرار الأسد الابن، ومجموعته، والنظام المخابراتي في الحكم، وبتعديلات طفيفة على الجوهر لا يشكل حلاً للأزمة السورية. وحده تغيير النظام لا تعديله يمثل أملاً في مستقبل واعد لسوريا وشعبها. فإن من يقتل شعبه بالطريقة التي يفعلها رئيس سوريا الحالي لا يمكن ان يكون جزءاً من مستقبلها.
إن المجتمع الدولي مطالب بأن ينزع الشرعية عن النظام في سوريا، من دون انتظار انضمام روسيا والصين. فالاتحاد الأوروبي ومعه الولايات المتحدة قادران على اتخاذ قرار تاريخي بالاعلان عن أن الرئيس الأسد صار غير شرعي بنظر الغرب. هذا الاجراء يفترض أن يستكمل باتصالات جدية مع المعارضة، وتشجيعها ودعمها في الخارج. أما بالنسبة الى العرب فيخطئ من يراهن عليهم.