أن يقتل نظام شعبه، فهذا ليس بجديد على العالم العربي فالأنظمة فيه لا تستمرّ وتبقى إلاّ بإراقة دماء شعوبها، وإن اضطرّت حتى إلى إبادة هذه الشعوب، وليس جديداً على الأنظمة العربيّة المدرّبة على «التوحّش» أن تنفّذ مجازر أو إبادة لمناطق بأكملها، ويبدو طبيعياً للحكام العرب أن تتوالى الأخبار من مدينة حماة ناقلة عدد القتلى، والعدد ليس مهمّاً مهما كبر فكلّهم عند العرب «ضحايا»، وفي بلاد لا قيمة فيها للفرد الواحد، لا قيمة فيها أيضاً للأعداد سواء تجاوزت العشرات أو المئات أو الآلاف!!
وليس مهمّاً أبداً ولا يرفّ رمش لحاكم عربي أن يبلغ عدد القتلى حتى ليل الأحد 128 قتيلاً، وليس مهمّاً حتى إن دفنوا، ولا أين دفنوا، ولن يغيّر شيئاً أن يعلم حاكم ما أن سبعين من القتلى دفنوا في حديقة إلى جانب جامع السرجاوي والباقون في حديقة خلف مستشفى الحوراني، فالموت حلّ لمأساتين: الموت والصمت!!
من السخافة انتظار موقف من جامعة الدول العربيّة الميتة والتي لم تجد قبراً يواري سوأتها حتى الآن، ومن الهزل انتظار موقف من دول العالم العربي «الشريكة» الكاملة والشاهدة والصامتة على ما يحدث للشعب السوري، وجريمة الصمت أكبر بكثير من جريمة القتل، على الأقل ثمّة دافع للقتل، ولكن ما الدافع لهذا الصمت العربي المخزي الذي يغطّي القتل!!
ومن التفاهة اللجوء إلى الأمم المتحدة فمن الواضح أن «الممانعة» ضرورة جديّة وهي من الأهميّة بمكان لإسرائيل حتى تخرس ألسنة العالم، ومن «الوحشيّة» المتوقعة والمعروفة والمشهودة والمؤرخة قتل الناس وقت الإفطار «وستين عمرن ما يفطروا، خليهن يموتوا صايمين»!!
تنطلق ألسنة العرب في استنكار مجازر إسرائيل، لأنها من باب «على عيون الشعب والعالم»، ولكن في العالم العربي «شعوبهم» و»ملكهم» و»ورثوها عن آبائهم وأجدادهم»، ولهم كلّ الحريّة في قتل شعوبهم، أليس مضحكاً ـ مبكياً أن يهاجم جيش شعبه في توقيت «غدر» وهم مشغولون بوقت الإفطار؟! أليس مخزٍ ومهين أنّ هذه الجيوش التي تعيش من «مال الشعب» وقبض رواتبها وكلّ امتيازاتها من دماء الشعب لتكون مهمّتها قتله؟!
أليس «مقزّزاً» أن تكون الأنظمة القاتلة أكثر إجراماً من إسرائيل نفسها، ما الفرق بين محمد الدرّة الذي مات أمام عدسات العالم والمواطن السوري الذي لفظ أنفاسه في بث مباشر على الهواء؟! سأقول لكم ما الفرق: الأول استغلّه العرب وكتبوا فيه القصائد وحوّلوه من طفل ساقه حظّه العاثر مع أبيه للوقوع بين رصاصيْن وبدلاً من أن تكتمل فرحته بسيارة جديدة، لفظ أنفاسه أمام كاميرات العالم، فهبّ زجالو العرب وشعرائهم ليسرقوا منه طفولته وموته حتى لأنهم أرباب المتاجرة بدماء شعوبهم، وهذا المواطن السوري الذي مات على الهواء قتله نظامه والعرب «دافنينو سوا» وكلّ الأنظمة «قتلة شعوب»!!
في القانون مواد تنصّ صراحة على أن الذي يصمت عن جريمة شريك فيها، وينصّ القانون ـ الوضعي البشري ـ على أن الذي يتستّر على قاتل شريك في جريمته، وينصّ التشريع الإلهي على أن الساكت عن الحقّ شيطان أخرس، والأنظمة الشيطانيّة تتشارك في الهوى والأبلسة والقتل، كلّهم في الهمّ شرقُ، كلّهم «قتّالين قتلى»!!
إن كان من كلام يُقال في موسم القتل السوريّ هذا، فللشعب السوري نفسه، قلوبنا معكم ونسأل الله أن يكشف عنكم ما أنتم فيه وأن يجعل عاقبة تقتيل أبنائكم ورجالكم نصراً وعزةً وحريّة وكرامة، وصدّقوا أن اللبنانيين قلوبهم معكم إلا أن البعض الكثير من الـ»أذناب» السياسيّة، حريتكم ستفقدهم وجودهم لذا ألسنتهم وقلوبهم عليكم، إن هم إلا قلّة قليلة، ولا تحزنوا ولا تهنوا إن خانكم الحكام العرب فقد خانوا فلسطين وشعبها وشعوبهم من أجل بقاء أنظمتهم وكراسيهم، لا تحزنوا لأنّ الله معكم والشعوب العربيّة كلّها معكم.