#dfp #adsense

“الجمهورية”: قديسو الإنقاذ.. أم شياطين المربعات الأمنية والسياسيّة؟

حجم الخط

كتب جورج علم في صحيفة "الجمهورية": لا هو خيار، ولا هو قرار، إنه مسار، وإذا تعطّل الحوار فأي لبنان يبقى؟

وعندما يجلس رئيس الجمهوريّة ميشال سليمان الى طاولة الحوار الوطني، وحوله العديد من قادة الأحزاب والميليشيات، وأرباب الطوائف والمذاهب، ماذا يقرأ في وجوههم؟، وماذا يبقى في الذاكرة من آرائهم؟،هل يقرأ ويسمع مطالع تنمّ عن وطنيّة صادقة لقادة أقسموا العهد والوعد على العمل الجاد والهادف الى إنقاذ الوطن والجمهوريّة؟، أم يقرأ ويسمع مطالع تنمّ عن تكاذب، لأن الغالبيّة تعمل بشكل حثيث في السرّ والعلن لبناء جمهوريات الطوائف والمذاهب على حساب الجمهوريّة؟.

هناك جدل دبلوماسي واسع في صفوف سفراء دول اليونيفيل، إذ يعتبر البعض أن أمام اللبنانيين فرصة لإلتقاط الأنفاس، والسير بالحوار نحو الأبعد لمعالجة الكثير من الملفات المعقّدة الموضوعة على الطاولة، والتي قد تؤدي الى إنقاذ الجمهوريّة بإعتماد قواعد وطنيّة متوازنة ثابتة. فيما يعتبر البعض الآخر أن اللبنانييّن قد شرّعوا أبوابا لم يعد بمقدورهم إغلاقها. " تصالحوا" مع الخارج قبل أن يتصالحوا مع أنفسهم، والدليل أن كلّ زعيم او قائد له خارجه، ومرتبط به إرتباطا وثيقا، ويحظى منه الدعم والمؤازرة، ويردّ له الجميل عن طريق الإمتثال الى طلباته، ومقتضيات لعبة مصالحه.

أبعد من ذلك، فإن لبنان يكاد أن يكون البلد الوحيد في العالم الذي يحظى بمجموعة لا بأس بها من القرارات الدوليّة، بدءا بالقرار 194 الصادر عن الجمعيّة العامة للأمم المتحدة في العام 1948، وصولا الى القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن الدولي في آب من العام 2006. ويكاد ان يكون البلد الوحيد الذي يحظى بعدالة مدوّلة ( المحكمة الدوليّة الخاصّة بلبنان)، وماليّة مدوّلة ( باريس – 1، وباريس – 2، وباريس – 3)، وأمن مدوّل ( أكثر من 12 ألف ضابط وجندي دولي – اليونيفيل – في الجنوب)، وإتفاقات ومصالحات مدوّلة، من إتفاق الطائف، الى إتفاق الدوحة، الى معادلة ( س. س. )، الى معادلة ( ق. ت.، قطر – تركيا)، الى المزايدات التي لا طائل تحتها حول وجوب التعاطي مع المجتمع الدولي، وحثّ الحكومة على أن تكون متجاوبة، ومستنفرة ليلا نهارا لتلبية كل ما يطلب منها، وكأن المجتمع الدولي هو مجرّد جمعية خيريّة لا همّ عنده، سوى الوقوف على حاجيات لبنان واللبنانييّن، وتلبيتها على الفور؟!.

بهذا المعنى يبرز السؤال: وماذا بقي من سيادة وإستقلال، وحق تقرير المصير إذا كانت مقدراتنا الوطنيّة السياديّة مدوّلة، وإذا كان الإنقسام الوطني عموديّا وأفقيّا بين جماعات 8 و 14 آذار، وكلّ يتهمّ الآخر، ويصنّفه من حيث الولاء والإنتماء، أنت مع المحور الإيراني – السوري المتعاطف مع الأحزاب والتنظيمات المسلّحة في المنطقة، وأنت مع المحور الأميركي – الدولي ، وأولوياته في المنطقة؟!.. فيما تسعى الغالبية الى طمس الجوامع المشتركة، والتشكيك بالثوابت الوطنيّة، والمضي في الرهانات الخاطئة الى المكان والموقع الذي يتحقق فيه الغالب والمغلوب حتى ولو كان ذلك على حساب وحدة الوطن، وسيادته.

يفهم من هذا أن اللبنانيين عاجزون عن إتخاذ القرار بشأن الحوار، وإذا ما كان منه بدّ ، فيجب في هذه الحالة السعي الى تأمين توافق دولي أولا للوصول الى تأمين توافق داخلي بين قادة البلاد للمشاركة في الحوار، ووفق صيغة، او جدول أعمال يرضي الجميع؟!.

إلاّ أن لبنان – ومع الأسف الشديد – ليس أولوية عند أحد في هذا الظرف الإقليمي – الدولي المعقّد. ليس أولويّة أميركيّة لأن الولايات المتحدة غارقة في معالجة ديونها الضاغطة، ومنهمكة في متابعة أخبار الإنتفاضات في العالم العربي، وكذلك فرنسا المهتمّة بمصير جنودها في الجنوب أكثر من إهتمامها بالإداء السياسي الداخلي، وكذلك الإتحاد الأوروبي، ودول التأثير الأخرى في النطاق الإقليمي.

لقد عمدت الدول النافذة الى ربط لبنان بحالة من الستاتيكو، بدليل أنها ساهمت، او سهّلت، او غضّت الطرف عن قيام حكومة جديدة، هي أشبه ما تكون بحكومة تصريف أعمال لكن مع نافذة دستوريّة تمكّنها من عقد جلسات لمجلس الوزراء، وإتخاذ القرارات الضروريّة التي لا بدّ من إتخاذها لتسيير أمور الناس. وسمحت للمحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان إصدار القرار الإتهامي، وإشغال المسؤولين والمواطنين في كيفيّة التعاطي معه، وأيضا في كيفيّة التعاطي معها، وهل يتم التمويل او لا يتم؟، وهل يتم تدوير الزوايا في التعاطي مع قراراتها، أم أن الأمور مندفعة نحو المواجهة مع المجتمع الدولي؟!.

لقد إمتهن الرئيس نجيب ميقاتي منذ اليوم الأول لتكليفه بتأليف الحكومة كيف يتصرف وسط حقل الألغام الذي وجد نفسه في وسطه، وإعتمد السريّة المطبقة في إتصالاته ومشاوراته الإقليميّة والدوليّة بخلاف العديد من الوزراء في حكومته والتي أسندت اليهم حقائب خدماتية بحيث لا يقدمون من خدمات للناس سوى الحكي، وصفّ الكلام، والمؤتمرات الصحافيّة المفعمة بالوعود، حتى باتت إطلالاتهم الإعلاميّة مقيتة، ومهينة للمواطنين لأنها تصيب كرامتهم في الصميم قياسا الى كميّة الكذب والرياء التي تشحنها الوعود المجوجة.

إن الرئيس ميقاتي الذي يعرف كلّ هذا يحاذر التصرف كبعض وزرائه ويمتهن السريّة، وقد غلّف أسفاره الى الخارج بعنوان الإجازات العائليّة الخاصة، طلبا للراحة والإستجمام، فيما هي عمليّا لإجراء المزيد من الإجتماعات واللقاءات والإتصالات مع العديد من المسؤولين والفاعلين في دول القرار لتجنيب لبنان العقوبات، او التدخلات المدمّرة لنقده، وإقتصاده، وقطاعه المالي والمصرفي، وأمنه وإستقراره. وحجته في ذلك " إننا نتعاون مع المجتمع الدولي، وليس هناك من نيّة ولا من رغبة في وقف هذا التعاون، ولكن ليس بمقدور لبنان أن يعطي أكثر مما عنده، ولا أن يتجاوب أكثر من طاقته ومن قدرته على التجاوب؟!".

ويبقى الرئيس ميشال سليمان في قلب هذه المعاناة وهذه التحديات، فهو لا يكتشف الغيب لأن عنده في صفوف القيادات والفعاليات من يراهن على الغيب، ويضمن نتائجه، بدليل أنه بدل من أن يتمعّن ويتعمّق بدرس خيار إستئناف جلسات الحوار الوطني، فإنه يبادر فورا الى الوقوف منها موقفا " مجعلكا"، وكأنه غير مهتم، لا بل كأنه يراهن على خيارات أخرى، منها على سبيل المثال لا الحصر تأمين مقومات الحياة والصمود لمربعه الأمني – السياسي، وتمتين أواصر التعاون مع أصحاب المربعات الأخرى.

لا هو خيار، ولا قرار، إنه مسار.. وعندما يجلس الرئيس الى طاولة الحوار ومن حوله القادة والمرجعيات، من حقّه أن يسأل : هل هؤلاء هم قديسو الإنقاذ، الساعون الى تحصين الوحدة الوطنية، أم شياطين التفتيت، وأرباب المربعات الأمنيّة والسياسيّة على السواء؟!
 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل