من المنطقي التساؤل لماذا اختار النظام السوري هذه الأيام بالذات للإعلان عن اعترافه بالدولة الفلسطينية في حدود الرابع من يونيو 1967، هل القرار جزء من مراجعة سياسية شاملة تتناول الداخل والخارج، أم مجرد خطوة ذات طابع تكتيكي تستهدف إعادة التموضع لا أكثر؟ مثل هذا التشكيك مشروع إذا عدنا قليلاً إلى الخلف، إلى العامين 1999 و2000 تحديداً حين لبّى النظام السوري الطلب التركي القاضي بتسليم الزعيم الكردي عبدالله اوجلان كما تخلّى عن المطالبة بلواء الاسكندرون من أجل التفرغ للاهتمام بلبنان واحكام السيطرة عليه وصولاً إلى التمديد لإميل لحّود واغتيال رفيق الحريري ورفاقه والاضطرار إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية، أقلّه عسكرياً.
أين الجديد في الموقف السوري من الدولة الفلسطينية ومن حدود العام 1967، ألم يعترف بها منذ دخوله في مفاوضات مع إسرائيل استناداً إلى القرار 242 الصادر في ذلك العام بعد أشهر قليلة من الهزيمة العربية المروعة… أو منذ ذهابه إلى مؤتمر مدريد في العام 1991 أو منذ موافقته على مبادرة السلام العربية في قمة بيروت للعام 2002، هل الإعلان عن موقف جديد من الدولة الفلسطينية يغيّر شيئاً في وقت يبدو واضحاً أن الفلسطينيين في مأزق حقيقي. هذا المأزق عائد إلى وجود حكومة إسرائيلية لا هدف لها سوى تكريس الاحتلال من جهة… وسلسلة من الأخطاء ارتكبها الفلسطينيون، خصوصاً منذ توقيع اتفاق اوسلو في العام 1993 من جهة أخرى. فوق ذلك كلّه، هناك إدارة أميركية على استعداد لمسايرة بنيامين نتانياهو إلى أبعد حدود حتى لو ذهب بعيداً في عمليات الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة!
الأكيد أن الموقف السوري من الدولة الفلسطينية لا يقدم ولا يؤخر بمقدار ما أنه يعكس عجزاً عن التصرف كدولة طبيعية تعرف حجمها الحقيقي بدل الكلام عن دور إقليمي أقرب إلى الوهم من أي شيء آخر. انه على الأصح الرهان على أوراق غير موجودة من بينها القدرة على عرقلة أي تسوية في المنطقة في غياب السعي الجدي إلى لعب دور ايجابي على كل صعيد، بما في ذلك داخل سوريا نفسها. كان هناك إلى ما قبل فترة قصيرة استخدام سوري لحركة "حماس"، التي هي جزء من "الاخوان المسلمين" من أجل العرقلة. تبين فجأة أن لدى "حماس" أجندة خاصة بها وأنها تنتمي إلى مدرسة "الاخوان المسلمين" التي لا تؤمن سوى باستخدام الآخرين لتحقيق أغراضها السياسية. هل الموقف السوري الأخير ردّ على "حماس" وجزء من تصفية الحسابات معها لا أكثر؟
أياً تكن الأسباب التي جعلت دمشق تسير مع الشرعية الفلسطينية، فإنّ القدرة لا تعود إلى كون النظام السوري، أو سوريا نفسها في الظروف التي تعيشها منذ مجيء "البعث" إلى السلطة في العام 1963 قوة إقليمية. ان هذه القدرة السورية على العرقلة تستند إلى أن إسرائيل لا تريد تسوية مع الفلسطينيين، اللّهم إلاّ إذا ارتضى هؤلاء الرضوخ لشروطها التي تعني أوّل ما تعني التخلي عن القدس الشرقية وعن جزء من الضفة الغربية.
لماذا انتظر النظام السوري إلى العام 2011 كي يعلن أنه يقف مع دولة فلسطينية في حدود 1967، هل كان قبل ذلك يرفض عملياً أي تسوية كان يمكن أن تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية "قابلة للحياة" استنادا إلى مبادرة السلام العربية، هل كان يريد تحرير فلسطين من البحر إلى النهر أو من النهر إلى البحر لا فارق وهناك من منعه من ذلك؟
في كل الأحوال، ان الموضوع يتجاوز الاعتراف السوري بدولة فلسطينية يعتبر قيامها في يوم من الأيام انجازاً ضخماً في حدّ ذاته، خصوصاً إذا أخذنا في الاعتبار موازين القوى في المنطقة. الموضوع يتعلق بما إذا كان النظام السوري سيتوقف عن ممارسة عملية الهروب إلى الامام وهي عملية ارتدّت عليه في آخر المطاف. المهمّ أن يكون الاعتراف بالدولة الفلسطينية في حدود 1967 خطوة اولى على طريق اتباع سياسة واقعية تقوم على الاهتمام بالشعب السوري والسعي الى معالجة مشاكل سوريا أوّلاً وأخيراً. انها مشاكل في غاية التعقيد تبدأ بإقامة دولة القانون وبحرية المواطن وكرامته وتنتهي بالمياه والكهرباء والبرامج التعليمية، مروراً بالنمو السكاني المتوحش والبناء العشوائي، والتطرف الديني، وهجمة الريف على المدينة.
يفترض في النظام السوري في ضوء الثورة الحقيقية التي يشهدها البلد منذ ما يزيد على أربعة اشهر الاقتناع بان ما هو في حاجة إلى تغيير يتجاوز الموقف من الشعب الفلسطيني وقضيته. التغيير لا يمكن أن يقتصر على التعاطي بطريقة مختلفة مع القضية الفلسطينية بعدما تبين أن لا فائدة من ايواء منظمات منشقة لمجرد أنها أدوات تستخدم لإضعاف السلطة الوطنية أو لخلق المشاكل في لبنان وإثبات أنه لا يسيطر على أراضيه، فضلاً عن ابتزاز اللبنانيين طبعاً. التغيير الحقيقي هو ذلك الذي يكون تحت شعار التصالح مع الشعب السوري، أي تحت شعار سوريا أوّلاً. لماذا الخوف من ذلك؟
كل ما عدا ذلك دوران على الذات وتأكيد لواقع يتمثل في أن النظام السوري عاجز عن القيام بإصلاحات وعاجز عن التخلص من عقدة لبنان حيث لا يريد أن يقتنع أن مصدر قوته هو ميليشيا مذهبية تابعة لـ"حزب الله" الإيراني ولا شيء غير ذلك. انه وهم الدور الإقليمي المستند إلى حلف غير مقدس بين عرب وغير عرب لا همّ لهم سوى الإبقاء على حال اللاحرب واللاسلم إلى ما لا نهاية تحت لافتات "المقاومة" و"الممانعة" و"الصمود" و"التصدي" و"إفشال المشروع الأميركي" كما لو أن الإدارة في واشنطن تدرك ما الذي يدور في الشرق الأوسط، هي التي فوجئت بالشعوب العربية تطالب بالكرامة.
الواقع أن كل الهدف من هذه اللافتات المتاجرة بما تقع اليد عليه. هل الاعتراف بالدولة الفلسطينية في حدود 1967 بمثابة توقف عن المتاجرة بالشعب الفلسطيني وقضيته… أم أن كل ما في الأمر أن المطلوب التراجع قليلاً فلسطينياً لمتابعة عملية الانقضاض على لبنان عن طريق الأدوات الإيرانية وأدوات الأدوات مثل النائب المسيحي ميشال عون، وهي الأدوات التي استخدمت في الانقلاب على اتفاق الدوحة أخيراً؟ للمرة الألف، هل الانتصار على لبنان بديل من الانتصار على إسرائيل؟