شجّع التراخي الدولي النظام السوري على القيام بالضربة التي اعتبرها أخيرة في مسلسل قمع ثورة الشعب السوري.
وهذه المرة لم يصدُق النظام أيضا في أكثر بروباغنداته الصعبة التصديق، وهي بروباغندا المؤامرة.
فالمتآمرون الكبار، أي أميركا وأوروبا وإسرائيل وبندر بن سلطان وسعد الحريري، لم يحرّكوا ساكنا لمساعدة المتآمرين الصغار في المدن السورية، وبدا أن النظام قد اقنع نفسه بأنه انتصر على مؤامرة الداخل التي تم تحريكها من الخارج.
وقد يسأل سائل: إذا كان المجتمع الدولي قد حرّك هذه الثورة، فلماذا لم يهب لنجدتها قبل أن يتمكّن النظام من الإجهاز عليها؟ وهل إنّ هذا المجتمع، قد ركّب مقلبا محكما للشعب السوري ورمى به في أتون النظام، ثم انسحب تاركا إيّاه يتحمل النزف المستمر في الدماء والدموع؟
لعلّ أصول حبك المؤامرات كانت تقتضي اقتناص فرصة الثورة للبدء بخطوات عملية تؤمّن ضمان وصول المؤامرة إلى أهدافها، لكن كل ذلك لم يحدث، لا بل على العكس منه، إذ إنّه، وطوال أربعة أشهر من ثورة الشعب السوري، فإنّ موقف المجتمع الدولي تراوح بين الاستنكار والشعور بالصدمة، والطلب إلى النظام وقف العنف فورا ووضع أسماء على لائحة الممنوعات المصرفية، وأخيرا لا آخرا التوعد بعزل النظام، فيما هو غارق بعزلة لا يمكن واقعيا التهديد بتطويرها.
ولولا أن استعمال منطق المؤامرة سيكون هو أيضا قفزا سطحيا فوق الحقائق والوقائع، لأمكن أيّ مراقب أن يلاحظ أنّ هذا السكوت الدولي الذي يلبس لباس التنديد هو نوع من أنواع المؤامرة، وأن هذا الصمت العربي الذي يخرقه هو أيضا نوع من أنواع المؤامرة، وأن هذا التراجع التركي عن تطوير دينامية فرض الإصلاحات الحقيقية على النظام هو ايضا مؤامرة، وأن استنكاف محكمة الجنايات الدولية عن تسطير مذكّرة توقيف واحدة بحق من أعطى ويعطي الأوامر بقتل المدنيين هو ايضا نوع من انواع المؤامرة، علما ان مذكّرات كهذه في ليبيا لم يتوافر لها هذا الكم الكبير من الوثائق والاقلام المصورة والشهود الذين يروون ما يحصل كل يوم من اعمال قمع تمثّل جرائم بحق الانسانية.
الواضح ان ثورة الشعب السوري التي انطلقت على نحو عفوي ومن دون تخطيط ودعم من جهة عربية او دولية اربكت المجتمع الدولي المربك اصلا بفعل التعثر الآني في اتمام ملف الانتقال الديمقراطي في ليبيا واليمن، وربما تكون ثورة الشعب السوري قد دفعت الى حين ثمنا ناتجا من توقيت انطلاقها، وهو توقيت صعب، الا ان ما سيحكم على نجاحها او فشلها سيبقى مرتبطا بارادة الاستمرار في التظاهر، هذه الارادة التي لم تضعف في كل محطات الحل الامني بدءا من درعا وصولا الى تل كلخ وتلبيسة وحمص وحماة والبوكمال وجسر الشغور.
لقد انطلق النظام السوري في قراره الدخول الى حماة ودير الزور والبوكمال من قراءات عدة ارتكزت على صحة التوقيت، وهذه القراءات تطمح الى امكان النفاد بالعملية العسكرية الكبرى من دون استدراج ردود فعل دولية وعربية واقليمية، كل ذلك سبب حالة الارباك واللاقرار التي تتميز بها الادارة الاميركية الحالية، وحالة المراوحة التي تحكم حملة الحلف الاطلسي في ليبيا، وحالة الارتباك في دوائر القرار التركية الناتجة من تهديدات ايرانية بقصف العمق التركي (قاعدة انجرليك الاميركية) اذا ما تدخل الجيش التركي في سوريا.
لكن على ما يبدو ان هذه القراءات لم تأخذ بالحسبان الواقع السوري الذي يتحرك منذ اكثر من أربعة اشهر بطريقة تصاعدية لا تنبئ بأن الحل الامني يمكن ان يعيد سوريا الى ما قبل 15 آذار 2011.