بقّوسة كهربا كهربا… – (بقلم فيرا بو منصف)

تعيش ضيعتي لحظات حنين نادرة واستثنائية. تعيش مرحلة استشراق. كلمة مهضومة، استشراق الماضي. تغبّ منه ولا تشبع.
عندما حصلت الاعجوبة، وعاد الباسل وزيرا للطاقة والمياه، قلنا "اف فُرجت عن جد هذه المرة". ستفيض بنا الطاقات وستجري المياه في بيتنا انهارا، والكهرباء ستشعشع كما لم تشعشع يوما، وقد يصبح كل بيت معمل حراري بحد ذاته. ولكن، ولكن كيف لنا أن نبصّر وأن نستكشف المستخبي والخطة الذكية، الفائقة الذكاء، التي وضعها "صوص" وزارة الطاقة، بما ان الوزير الكريم يحب الصيصان، ويجيد اللياقات السياسية، وعندما يحب أحدا يطلق عليه لقب الصوص، وبما اننا نبادله الحبّ والاحترام خصوصا، نشبّهه بما يحب.

نعود. تبين لنا ان الوزارة تعيش أيام الحنين، وتريد لنا أن نعيش المشاعر المنغوِشة ذاتها، فقررت أن تحجب عنا مياه "الحنفيات"، وضوء "اللمبات"، وحرارة "المكوايات" وصقيع المكيّفات، وبنزين السيارات، لنكتشف سعادة البدايات والبدائيات.
في ضيعتنا مثلا، تأتي الكهرباء على مدى خمس دقائق متواصلة كل عشرين دقيقة. هيك متل "البقوسة"، وهكذا دواليك على مدى 24 ساعة في الـ 24 ساعة.

نحن صراحة ما عدنا نسأل لا البلدية ولا المختار ولا "فاعليات الكرافتات"، عما يجري، نعرف الاجابة سلفا، لكن ثمة جو لذيذ يسود في الضيعة، رائحة العتيق المعتّق تعبق. نجلس ليلا على ضوء القمر، نرخي جفون العين المثقلة بالغرام، ونبقبش على العتيمة على عيون الحبيب، وقد نصيب وأحيانا كثيرة لا…

أعدنا ترتيب الاولويات في البيت، وبدّلنا بعض الاليات، وشقلبنا في بعض الحاجيات. فمثلا التلفزيون فعل ماض لا نعرف ما مستقبله، مغطّى بقطعة كانفا وعليه مزهرية من عهد العهود. النملية التي كنا نضعها كقطعة أثرية نادرة في صدر الدار ونتباهى بها، عادت مطأطأة الى وظيفتها التاريخية، أي مكان لحفظ الطعام، بعدما تقدّم البراد باستقالته مرغما. أصلا استغنينا عنه، وعدنا نشتري اللحمة مرة واحدة في الاسبوع، وتحديدا يوم الاحد، حيث تعصف رائحة الكبّة في مطابخ الضيعة، مع فارق بسيط ان "المولينكس" بدورها اندحرت شاكية باكية، وعاد جرن الكبة الى جرن المطبخ. اما الحنفية يبقالنا وجودكن، وبعدما بدأ التنافس بين خيوط العنكبوت والصدأ على احتلال المساحات الاكبر من أروقتها الجافة، تحولت هي الاخرى الى زينة جميلة من العصر الحديث، يتدلّى من عنقها كيس اللبنة الكثيرة الملوحة لتصمد في لهيب آب، بينما نحن نرطّب الاجواء والعمر العطشان، بمشوار الى العين، نملأ الجرار، وعلّنا نملأ الحنين بعيون شاب كان سرقه الانترنيت عن عيون بنات ضيعته، فعاد صاغرا الى ملاعب… الطفولة!

تيعا تيعا تيعا….عاد قن الدجاج الى الحديقة، بعدما يبست العطرة وحلق الست والاضاليا وكل الحبقات ومساكب النعنع والبقدونس وغيرها، واحتل القن مساحة الخضار، وعدنا نربي الدجاج تربية قروية أصيلة صالحة بحماية ديك الديوك، كي لا تدشرن مع ديوك غريبة وتنجبن صيصان غير أصيلين…

أحلى اللحظات عندما تومض الكهرباء في الدقائق الخمس. تزلغط نعيمة جارتنا، تهرول اختي الى الغسالة، تشعشع الغرف، يلعلع السشوار، يزمجر البراد، تولول المولينكس، يزعق الموتور ويهرع ابي الى الحديقة لنقل المياه، التي جمعها منذ الشهر الماضي في البركة، لنقلها الى الخزان المستوحد المطحّل … خمس دقائق هي الدليل الوحيد اننا في عصر الانترنيت…ثم خلص يعود الهدوء. ترحل الكهرباء وتبيت في بيت الياك وبيت الصوص وكل الصيصان الحلوين، في قن الدولة القرقة.
هذه سياحة قروية. هذه سياحة القن.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل