ليست هي المرّة الأولى التي يواجه فيها الرهط الممانع وخصوصاً بين المثقفين امتحاناً أخلاقياً وسياسياً عسيراً يتعلّق بتهديد استراتيجيّ يُطاول أحد "طواغيت التحرّر الوطني".
قبل الثورة السورية، واجه "المثقفون الممانعون" امتحاناً أخلاقياً وسياسياً عسيراً آخر، يتعلّق بالموقف من الثورة الخضراء للشعب الإيراني المظلوم، وكان جواب أكثرهم في هذا الإمتحان متواطئاً مع نظام الملالي، إن لم يكن مزايداً عليه، ويمكن تلخيصه في أنّ هذا النظام لا يدري بعد كم هو ثوريّ في موقعه الطليعيّ في مواجهة الإمبريالية والصهيونية والرجعية العربية، وأنّ الإصلاحيين الإيرانيين ينقسمون إلى متآمرين ومغرّر بهم، وأنّهم في اللحظة التي يغادرون فيها الموقع "الإصلاحي" من داخل النظام، إلى الموقف "الثوري" الذي يطرح مسألة تغيير النظام ككل، فإنّهم يتحوّلون إلى جزء متقدّم من المؤامرة الأميركية، شأنهم في ذلك شأن الثورات المخملية في أوكرانيا وجيورجيا و14 آذار.
وقبل ذلك أيضاً، واجه "المثقفون الممانعون" امتحاناً اخلاقياً وسياسياً عسيراً للغاية، وإن يكن من طبيعة أخرى، ويتعلّق بالموقف من نظام صدّام حسين في العراق سواء عندما اجتاح الكويت أو عندما تشكّل حلف دوليّ لإجباره على الإنسحاب منها أو عندما اتخذ قرار أميركيّ للتخلَص منه. هنا جاءت الأجوبة الممانعة متنوّعة بعض الشيء لكنها تلتقي على التواطؤ مع النظام حتى سقوطه، ثم التواطؤ مع سياسة النظامين الإيراني والسوريّ في العراق بعد هذا السقوط. بعد "عاصفة الصحراء" تراجعت نسبة المثقفين الممانعين الذين يدافعون عن نباهة صدّام حسين أو بعد نظره الإستراتيجيّ، وعن دور العراق البعثي العفلقي كـ"اقليم قاعدة" لتوحيد الأمة وقيادتها، بل ازداد عدد المثقفين الممانعين الشاجبين لديكتاتورية صدّام حسين وأهوائه، إلا أنّهم ظلوا يصرّون على أنّه في نهاية التحليل، لا بدّ أن يترك كل شعب يقرّر نظام الحكم الذي يُريد، وأنّهم يجمعون على مساندة النظام بوجه الهجمة الإستعمارية، سواء ساندوه بشكل واضح ومباشر، أو خلسة وعلى سبيل التهريب.
طبعاً، الفارق يبقى جلياً بين الثورة الخضراء الايرانية وبين الثورة السورية الراهنة. فالأولى طرحت نفسها من داخل مجال الثورة الإسلامية الإيرانية وتشاركت النسيج المذهبي نفسه بل تقاسمت جزءاً من الإصطلاحات الأيديولوجية نفسها مع نظام الملالي. لم تطرح الثورة الخضراء نفسها كثورة مضادة للثورة الإسلامية الخمينية وإنّما طرحت نفسها كرغبة في انتاج خاتمة وطنية ديموقراطية ليبرالية وسعيدة لهذه الثورة. في المقابل، تنتمي الثورة السورية إلى نسيج مختلف مذهبياً بشكل مطلق وأيديولوجياً بشكل متعاظم عن النظام البعثيّ الأقلويّ الفئويّ الشموليّ، ولا تطمح إلى "بعث ديموقراطي ليبرالي"، وإنّما إلى تجاوز المرحلة البعثية القاتمة من تاريخ سوريا الحديث.
كذلك، يختلف الوضعان العراقيّ والسوريّ. فتحرير العراق من الإستبداد الشرقي لم يظهر أنّه كان ممكناً لولا التدخّل الاجنبيّ. أما في سوريا فإنّ التغيير يضطلع به الشعب السوري نفسه بتصميم أسطوريّ وقدرة واسعة على الإحتمال. وهذا يحمل بعض الممانعين على الطرافة كالقول إنّ الربيع العربي يثبت أنّ احتلال العراق عام 2003 لم يكن ضرورياً للتخلّص من الاستبداد. في المقابل، سيبقى السؤال مفتوحاً حول أثر سقوط صدّام على سقوط "طواغيت التحرّر الوطني" الأخرى، فكما لم تنفعه قادسيته، لم تنفعهم لا ضربة جوية ولا تشرين موروثة.
وهكذا فإنّ ميزة الثورة السورية عن سابقتها الإيرانية الخضراء كما ميزتها على الحالة العراقية، كانت أجدى بأن تحمل الممانعين إلى تعديل موقفهم المعادي للحريّة يوم ساندوا بقاء نظام صدّام، أو يوم تطوّعوا نيابة عن الشعب الإيراني للإعتراف بمحمود أحمدي نجاد رئيساً. لكنه حدث العكس. وفي الإجمال، فإنّ "المثقفين الممانعين" اليوم، في لبنان أو في غيره، هم كناية عن أناس يتراوح موقفهم بين من يستقي تعابيره رأساً عن الدعاية الرسمية للنظام البعثي وبين من يمزج هذه التعابير مع بعض من الرياء الذي يتداوله المسؤولون الغربيون بازاء الوضع في سوريا. فهم من ناحية يوافقون النظام على أنّ هناك مؤامرة تستهدفه في مواقفه الوطنية، لكنهم من ناحية أخرى ينقسمون فيما بينهم بين من يرى أنّ النظام عليه أن يواجه المؤامرة بالإصلاح أولاً ثم بالحلول الأمنية ثانياً، وبين من يرى الأولوية للحلول الأمنية. هناك إذاً من تحمله حماسته بين هؤلاء إلى طلب المزيد من القمع التنويري التقدّمي من طرف النظام بحقّ "الثورة السلفية الليبرالية"، وبين من يضعف فؤاده فيطالب النظام بالعدول عن قتل الناس بغير وجه حق، لكنه يسارع بعد ذلك إلى التأكيد بأنّه يقول ذلك غيرة على "الثوابت السورية"، الوطنية والقومية.
ثم أن أطرف ما في الممانعين "النقديين" تجاه "النظام" هو أنّ سخطهم هذا حجّة عليه تلتغي بمجرّد ما تأتي فرصة للنظام ليثبت فيها وطنيته وقوميته، كما حدث يوم استخدم في أيّار وحزيران ذكرى النكبة والنكسة. في الماضي أيضاً، كان هؤلاء ممانعين "نقديين" يدينون النظام السوري عندما يجتاح لبنان عام 1976، انما ليعودوا فيقفوا معه عندما قاد جبهة الرفض ضد كامب ديفيد، وساء بعضهم ما اقترفه النظام في حماة عام 1982 لكنهم عادوا وناصروه بعد أشهر قليلة في مواجهة العدو القومي، ثم ساءتهم مشاركة النظام في عاصفة الصحراء، ثم عادوا و"عفوا" عنه يوم رفض هذا النظام خيار اوسلو.
لكن هذه كانت لعبة قديمة. الآن، ما لا يفهمه هؤلاء "المثقفون الممانعون" سواء في قسمهم "التشبيحي" المباشر (القمع بهدف التنوير)، أو في قسمهم "النقدي" (شجب النظام إلى حين يبدي موقفاً قومياً لفظياً جديداً)، أنّ الثورة هي ضدّ الممانعة بشكل عام، أي ضدّ "طواغيت التحرر الوطني" وكل ما تفرّع عنهم في السياسة والثقافة والاقتصاد والاجتماع.