#adsense

دبابات

حجم الخط

تمشي القوافل كي تصل إلى مبتغاها.. وإذا ما أعياها طول الطريق وقحل الصحارى ولظى الشمس وندرة الماء والكلأ، فهي تخبو في مكانها وترتاح لكنها تواصل السير. لا تعود إلى الوراء، لأنّ ذلك ليس خياراً إنّما انتحار. ولا جدال في المقدّر.

ما كان أحد ليفترض أو يغامر بالافتراض بداية كل الذي حصل عربياً منذ مطلع هذا العام. وما كان أحد ليفترض أو يجرؤ على تصوّر تلك الدحرجة التلقائية العفوية والبسيطة من مكان إلى آخر، ومن مقلع إلى آخر، ومن عاصمة إلى أخرى. مفاجأة أولى وكبيرة، ما تلاها قَصُرَ عن أن يكون استثنائياً أو قريباً منها. لكنه حرّك الخيال باتجاهات وقراءات أخرى. أنظمة تمرّست في فنون إحكامها على ما تملك. ووظفت وراكمت جبالاً من القدرات، من الطبيعي أن تقاتل دفاعاً عن حالها ووجودها وطبقتها الحاكمة والماسكة بكل شيء، بما فيه الحياة والموت! لكن تفاصيل "صغيرة" (عفواً على التعبير) في ذلك الاداء القتّال قد تلفت النظر، مع انها تدخل في سياقها الاولي. تتمّمه أو تفسّره أو تعطيه سمة مألوفة. القتل مثلاً ليس طقساً غريباً، ولا مفاجئاً ولا استثناءً. بل هو القاعدة الأساس. والدرجة الأولى في سلّم الصعود إلى السلطة والقبض عليها. الدرجات الأخرى تُكمل ذلك البناء ليس إلاّ. الحزب، النظرية، الجيش، الشعار، البيان السياسي، الأمن، الحكومة.. كل تلك أدوات فرعية في ماكينة القتل الأساسية. براغٍ صغيرة (أو كبيرة) في ذلك المحرّك الذي أرانا الكثير الكثير من إنتاجاته.

.. "التفاصيل الصغيرة" التي تلفت النظر ولا تفاجئ، تكمن في "عادية" وجود دبابة في حي سكني. آلية ضخمة في شارع مدني مديني، الشارع تسير عليه سيارات صغيرة. باصات متوسطة الحجم. بوسطات أكبر منها لنقل ركاب، شاحنات تنقل عتاداً للبناء أو محاصيل زراعية. لكن دبابة مجنزرة عليها مدفع ميدان تبقى صورة فظيعة.

والحال انّ "استخدام" تلك الآلة ليس إلاّ تتويجاً لفعل القتل من أساسه، وبالتالي تتويجاً لسقوط صاحب السلطة إلى هاوية على قياسه. ما عاد ينفع أي شيء آخر. حجم الانتشار والمنتشرين صار أكبر من المعالجة بعاديات البراغي الصغيرة لتلك الآلة. استوجب الأمر "المدد على قدر العدد" بل أكبر منه إذا أمكن. كما استوجب التبرير والتفسير كلاماً أكبر من خارطة البلد: سقوط النظام سيزلزل المحيط ويُسقط دولاً وامبراطوريات ويوقف شروق الشمس! .. الدبابات وسيلة مثلى لإيصال الرسالة وإفهام الغشامى. ألم يستخدمها الإسرائيليون في نزاعهم الطويل والمرير مع العرب؟ وألا يستخدمها كل غاز لأرض غيره!

.. أنظمة نأت بعيداً عن ناسها، من "الطبيعي" أن تأتي إليهم بالدبابات. لكن الطبيعي أكثر هو ان الشمس ستبقى تدور في مستقر لها. تُشرق في ساعتها على ليل المظالم، لا تصدّها دبابات غازٍ أياً كان اسمه!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل