هل تنجح مساعي رئيس الجمهورية ميشال سليمان لإعادة إحياء طاولة الحوار، سيّما وأنّه مستمرّ في لقاءاته مع أركان هذا الحوار المعترضين والمؤيّدين له؟ زوّار الرئيس ينقلون عنه تصميمه ورغبته في مواصلة السعي مع كلّ الأطراف، وعلى الرغم من كلّ العراقيل، لجمع الزعماء السياسيين على طاولة واحدة، ذلك أنّ هدفه تحصين الساحة المحلّية، ودرء أخطار الأحداث الإقليمية المتسارعة والتحديات الأمنية الداخلية والخارجية التي تهدّد البلاد، كما ينقلون عنه أنّ الحوار لا يهدف فقط إلى حلّ المسائل العالقة، بل إلى تلافي النزاعات بصورة استباقيّة. والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم هو: ماذا تغيّر حتى باتت قوى الثامن من آذار متحمّسة، وبشكل مريب، لاستنئناف جلسات الحوار وفي أقرب فرصة ممكنة.
تجيب أوساط قيادية في قوى 14 آذار أنّ ما من طرف داخلي، وخصوصا في المعارضة، يؤيّد أو يشجّع على التصعيد الداخلي، ويشارك بالتالي رئيس الجمهورية في هواجسه بشأن حماية الاستقرار المحلّي. وأمّا بالنسبة إلى "حزب الله" فاعتبرَت الأوساط أنّه يدرك خطورة الأوضاع الإقليمية وانعكاسات امتداد فتيل التوتّر إلى الداخل، كما أنّه يرفض عنوان الحوار الذي تطرحه 14 آذار وهو السلاح، ولكنه في الوقت نفسه يرحّب باستئناف الحوار، لأنّ المعارضة ترفضه حاليّا، وذلك بهدف إفشال مشروع الحوار أوّلا، واتّهام 14 آذار بأنّها تعرقل الوفاق بين اللبنانيين ثانيا. فالحوار بحسب هذه الأوساط، وفي ظلّ الظروف الحاليّة هو غير منتج لأنّ موضوعه الأساسي يجب أن يتركّز على سلاح "حزب الله" أوعلى الاستراتيجية الدفاعية التي يعتبر هذا السلاح جزءا أساسيّا فيها، وذلك يطال مفهوم وجود سلاح غير شرعي لدى أيّ فريق داخلي من دون استثناء، لأنّ تجربة الحرب الأهلية ما زالت حاضرة بكلّ تداعياتها، وهي لم تتوقّف إلّا بعد توافر معادلة إقليمية دوليّة ساهمت في رعاية التسوية وإنهاء الحرب. وأمّا اليوم فإنّ أيّ انفجار داخلي سيرتّب نتائج كارثية على الوضع العام، لأنّ ما من مناخ إقليمي أو حتى دولي يعمل على رعاية أيّ مشروع لتسوية سياسية في لبنان، ولو كانت هذه التسوية إطلاق جولة جديدة من الحوار الوطني.
وأضافت الأوساط أنّ انطلاق الحوار في غياب الظروف الإقليميّة الناضجة سيكون محكوما بالفشل، لأنّ الفريق الأقوى على الساحة المحلّية يدرك أنّ أيّ حوار يستهدف سلاحه، وسيفرض عليه التنازلات في أكثر من مجال، ولذلك فإنّ هذا الفريق، أي "حزب الله" يرفض بقوّة شروط 14 آذار للحوار، وبالتالي فهو يرحّب بفكرة الحوار، ولكن قرّر مسبقاً عدم التنازل في ملفّ السلاح، ممّا سيؤدّي إلى حوار من طرف واحد، وإلى زيادة التأزّم بين فريقي المعارضة والموالاة ورفع وتيرة التصعيد. ولذلك فإنّ الوصول إلى مرحلة الحوار المنتج والإيجابي يتطلّب ظروفا إقليميّة ودولية ملائمة، وإلّا فإنّ غياب أيّ رعاية خارجية لمساعي رئيس الجمهورية سيسقط كلّ طروحات التوافق ويعيد طرح أزمة السلاح غير الشرعي وبشكل أقوى ممّا هو عليه الآن.
هل تعني هذه المعادلة أنّ الأفق مسدود أمام أيّ حوار داخلي؟ تقول الأوساط نفسها إنّ ما من مرجعيّة سياسية، ولو كانت على مستوى رئيس الجمهورية، قادرة على إدارة أيّ حوار بين 14 و 8 آذار، أو حتى على إنقاذه، فيما لو اتّخذ منحى سلبيّا بسبب ميزان القوى السياسي غير المتكافئ، والذي يرجّح كفّة الفريق المسلّح على الأفرقاء الآخرين، ممّا سينعكس بالنتيجة إرباكا على أكثر من مستوى، خصوصا على مستوى راعي هذا الحوار الذي سيجد نفسه أمام خيارين، إمّا مسايرة الفريق الأقوى، وإمّا إعلان فشل مشروع الوفاق.
وانطلاقا من هذه المعطيات، فإنّ ما من قوة قادرة على حلّ مسألة السلاح على طاولة الحوار، و"حزب الله" مصمّم على عدم البحث بهذه القضية، وبحسب الأوساط فإنّ ما يجري في المنطقة يدفع بكلّ الأطراف الداخليين إلى التخلّي عن شروطهم للإقدام على حوار يحمي الساحة المحلّية من أيّ تداعيات للأزمة السوريّة الخطيرة من جهة، ومن أيّ مشروع عدواني إسرائيلي من جهة أخرى، وهذه هي الحالة الوحيدة التي تجعل من الحوار مُجديا، بل تحوّله إلى واجب وطنيّ يقع على عاتق الفريق المتمسّك بالسلاح رغم كلّ المحاذير والأخطار.