#dfp #adsense

لبنان وخط الزلازل

حجم الخط

منذ أشهر والعديد من المجتمعات العربية تقع على ما يشبه خط الزلازل الشعبية، وذلك بعد عقود من الانكفاء والصمت وخيبات الأمل. وإذا كانت الانتفاضات الشعبية التي حصلت في تونس ومصر ولا تزال مستمرة في اليمن وليبيا، قد استحوذت على اهتمام اللبنانيين بقدر اهتمام الشعوب العربية الأخرى، فإن الروابط الاجتماعية والجغرافية والتاريخية التي تجمع بين لبنان وسوريا معطوفة على تضخّم دور العامل السوري في الشؤون الداخلية اللبنانية لا سيما خلال العقدين الأخيرين، تجعل من الطبيعي أن يكون للتطورات السورية الراهنة أهمية وتأثيراً أكبر على لبنان لناحية تأجيج الصراعات فيه أو تبريدها.

غداة انتفاضة الشعب المصري وقبله التونسي، كثرت المراهنات في السر والعلن، عما يمكن أن يحصل في باقي البلدان العربية ومنها سوريا، وانبرى العديد من السياسيين اللبنانيين والإعلاميين للحديث عن المؤامرة التي تستهدف سوريا والظروف المختلفة لنظامها الممانع لإسرائيل والغرب الذي يبعدها عن خط الزلازل الشعبية وخطر الانتفاضات التي انطلقت من تونس وامتدت الى مصر وبلدان أخرى. غير أن التظاهرات والاحتجاجات الشعبية التي بدأت في درعا وامتدت الى محافظات سورية أخرى، أظهرت في جزء يسير منها، تشابهاً كبيراً في الشعارات والأهداف التي من أجلها انتفضت شعوب مصر وتونس ولا تزال تكافح في سبيل تحقيقها شعوب ليبيا واليمن، وهي شعارات الحرية والكرامة الإنسانية ومقومات الحياة الكريمة.

بالطبع، لا يمكن لأي لبناني اليوم، إلا أن يتمنى لسوريا والشعب السوري كل خير انطلاقاً من المثل القائل: إذا كان جارك بخير فأنت بخير، فكيف إذا ما كان هذا الجار شقيقاً، وذلك رغم المرارة التي يشعر بها فريق كبير من اللبنانيين تجاه التدخلات والسياسات السورية على امتداد أكثر من ثلاثة عقود. أما من حيث القراءة السياسية للأحداث الجارية في سوريا وتداعياتها على الواقع السياسي اللبناني، فيجب مقاربتها بموضوعية وعقل بارد، بعيداً عما يعتمل في رؤوس بعض اللبنانيين الحامية، سواء كانت تلك التي تعودت استدعاء العامل السوري والاستقواء به أو تلك التي لديها مشاعر سلبية أو حتى عدائية نتيجة هذا الاستقواء.

لا يختلف إثنان بشأن حتمية تأثر الوضع اللبناني بالحراك الدائر في سوريا وتطوراته. ومن هذا المنطلق، لا يمكن لأي عاقل إلا أن يستشعر خطورة الأحداث التي تجتاح سوريا وتداعياتها، كما وأن يقلق على ما ستؤول اليه الأحداث التي يتوسع نطاقها وترتفغ وتيرتها وحدتّها، رافضاً ممارسة العنف ومندداً بالخيار الأمني الذي ما زالت تعتمده السلطات بوجه شعبها، في مقابل الاقتناع بأحقية مطالبه والشروع في تطبيق بنود الإصلاح بدل استخدامه كشعار أو مظلة للممارسات القمعية، وذلك قبل فوات الأوان.

اللافت من جهة أخرى، إمعان السلطة السورية وحلفائها اللبنانيين في تجاهل أبعاد التطورات الحاصلة وعدم استدراك سياساتهم الخاطئة في لبنان، وتحسس حجم الأخطار التي قد تنجم عن استمرارهم في تخوين نصف اللبنانيين، وشحن الرؤوس الحامية فيه تحت شعار مواجهة عملاء الغرب وإسرائيل في الداخل اللبناني. إذ كيف يمكن أن لا يساهم استمرار هذا النهج وهذه اللغة، في تأجيج الصراعات اللبنانية في وقت تتصاعد فيه الاحتجاجات الشعبية متخذة في بعض الأماكن منحى الفتن الطائفية والمذهبية؟.

قد يكون لبنان اليوم، وفي ظل التطورات الدرامتيكية الحاصلة على امتداد الجغرافيا العربية، من أكثر البلدان ذات الانظمة الجمهورية، استقراراً رغم المحاولات التي جرت في الفترة الأخيرة، في البقاع وزحلة من خطف للأستونيين السبعة ومتفجرة كنيسة السريان الأرثوذوكس وغوغاء السجون في رومية وجب جنين، والعمليات التي حصلت ضد اليونيفيل والمحاولات المتوقعة أن تحصل مستقبلاً، وقد يكون من بين إهدافها تشويه صورة لبنان وخطف الأضواء عما يجري من أحداث في أماكن أخرى.

فالمشهد اللبناني المستقر نسبياً يبدو مزعجاً لبعضهم، نتيجة عدم وقوع لبنان على خط الزلازل الشعبية، وذلك بفضل اعتماده مبدأ تداول السلطة رغم العيوب التي تكتنفه، وأيضاً وجود هامش من الحريات العامة وحق التعبير الذي تنتفض من أجله الشعوب العربية اليوم، ويبدو أن هذا الهامش يلعب دوراً مهماً في تجنيب اللبنانيين حالات الإحباط والكبت المزمن التي فجرت وتفجر الانتفاضات والاحتجاجات في العديد من البلدان العربية.

إن التحدي الكبير أمام اللبنانيين جميع اللبنانيين، يتمثل في القدرة على تجنيب لبنان تداعيات الزلازل السياسية والأمنية التي تجتاح الجغرافية العربية. ولبنان قد يكون بإمكانه كسب التحدي في حال عدم تفريطه بنقاط القوة التي يتمتع بها كاحترامه لمبادئ الحريات العامة ومقومات التنوع ومفهوم تداول السلطة. كما أن هناك مسألتين أساسيتين ملحّتين ينبغي عدم التردد بشأنهما: استثمار الفرصة النادرة المتاحة لتحقيق العدالة وإنجاز استراتيجية دفاعية يكون فيها السلاح وسيلة بيد الشرعية للدفاع عن الوطن وليس هدفاً بعينه أو غاية بحد ذاتها. وأي تفريط بهذه النقاط يعني تجريد لبنان من نقاط قوته ومناعته ومنح عناصر القوة لنزعات وتوجهات شبيهة بالمجتمعات الواقعة على خط الزلازل التي تناضل شعوبها للخروج منها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل