كتب هشام ملحم من واشنطن وعلي بردى من نيويورك في "النهار":
شددت القوات السورية حصارها لمدينة حماه امس. وتحدث ناشطون عن تعرض المدينة لقصف بالدبابات بعد صلاة التراويح ليلاً. كما خرجت تظاهرات لنصرة حماه في دير الزور واحياء من دمشق وريفها واللاذقية وادلب والرقة. ومع استمرار القمع الدامي للتظاهرات المطالبة باسقاط النظام، تصاعد الضغط الدولي بشكل لافت على دمشق، وخصوصاً من واشنطن التي رفعت مستوى اتصالاتها بالمعارضة السورية، اذ استقبلت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون وفداً من المعارضين ضم رضوان زيادة ومحمد العبدالله ومرح بقاعي الذين تركوا للوزيرة رسالة بمطالبهم، كما اكد السفير الاميركي لدى سوريا روبرت فورد في شهادة امام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ انه حان الوقت للتفكير في مرحلة ما بعد الرئيس بشار الاسد في سوريا.
وبدا مجلس الامن اقرب الى الاتفاق على صيغة بيان رئاسي او مشروع قرار بعد مرونة روسية في ما يتعلق بالعنف في سوريا. وفرض الاتحاد الاوروبي عقوبات على خمس شخصيات سورية عسكرية ومدنية لصلتها بالاحداث الدائرة في حماه. وسحبت ايطاليا سفيرها من دمشق، داعية بقية دول الاتحاد الاوروبي الى ان تحذو حذوها.
مجلس الأمن
رفضت غالبية الدول الأعضاء في مجلس الأمن ما وصفه ديبلوماسيون أوروبيون بأنه "محاولة من روسيا لرفع الضغوط الديبلوماسية الدولية عنها" ووضع لبنان في واجهة الأحداث الدامية التي تشهدها سوريا، بعدما أبدت موسكو مرونة حيال اصدار المجلس بياناً رئاسياً يحتاج الى اجماع الدول الـ15 الأعضاء، ومنها لبنان الذي سيواجه احراجاً، وظلّت عند موقفها الرافض لاصدار قرار يحتاج فقط الى تسعة أصوات من دون استخدام أي من الدول الخمس الدائمة العضوية في المجلس حق النقض.
وعلى رغم السجال الذي ظهر في أروقة الأمم المتحدة عن هذه النقطة وقرب التوصل الى اتفاق على النص واستمرار الخلاف على الشكل، برز تطور لافت في المواقف الدولية من الأزمة العاصفة بسوريا، إذ عقد مجلس الأمن جلسة صباحية مغلقة برئاسة رئيس المجلس للشهر الجاري المندوب الهندي الدائم لدى المنظمة الدولية هارديب سينغ بوري لمناقشة مشروع القرار المعدل الذي قدمته بريطانيا ورعته معها فرنسا وألمانيا والبرتغال. وسارع المندوب الروسي فيتالي تشوركين الى رفض الصيغة الجديدة لأنها "لم تتضمن سوى تعديلات شكلية على مشروع القرار السابق" المؤلف من ستة بنود.
وسجلت مداخلات عدة كانت أبرزها للمندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة سوزان رايس التي ركزت على أن "ثمة ضرورة للتوصل الى اجماع على اتخاذ موقف من الأحداث في سوريا"، مقللة شأن ما إذا كان سيتبلور في قرار أو بيان رئاسي. غير أن نظيرها البريطاني السير مارك ليال غرانت اتفق مع آخرين على وجوب مراعاة ما سماه البعض "الحساسية اللبنانية المعروفة" حيال المواضيع السورية.
وإذ رفض ديبلوماسي غربي بشدة "رمي كرة النار السورية" على لبنان، تدخلت المندوبة البرازيلية ماريا لويزا ريبييرو فيوتي لتعرض "مبادرة" من ست نقاط.
ووافقت الدول الأعضاء على مبدأ "المزاوجة" بين العناصر البرازيلية ومشروع القرار الأوروبي، على أساس اجراء محاولة اتفاق على النص أولاً، تمهيداً للبحث لاحقاً في الصيغة التي ينبغي أن يوضع فيها أكان قراراً أم بياناً رئاسياً.
وبعد اجتماعات بين خبراء ومفاوضين بريطانيين وبرازيليين على الغداء لدمج النصين، عقد مجلس الأمن جلسة مغلقة أخرى بعد الظهر لإطلاع سائر الأعضاء على النتيجة. وبالفعل، قدم غرانت وفيوتي "بصورة شخصية غير رسمية" النص الجديد، وشرع مندوبو الدول الأعضاء في مناقشته. وأدخل المفاوضون ملاحظات عدة على النص الجديد. واستمر الخلاف قائماً بين روسيا والصين من جهة والدول الغربية من جهة أخرى على ذكر "الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان" من السلطات ومحاولات مساواتها بـ"العنف ضد قوى أمنية"، وكذلك على الصيغة التي يمكن مجلس الأمن اصدار النص بها.
ويعبر النص البريطاني – البرازيلي عن "قلق بالغ من تدهور الوضع في سوريا". ويدعو الى "وقف فوري لأعمال العنف" مع حض "كل الأطراف على التصرف بأقصى درجة من ضبط النفس". ويطالب السلطات السورية بـ"الإمتثال لواجباتها الدولية بموجب القانون الدولي وحقوق الإنسان والبدء بتحقيق نزيه وذي صدقية في أعمال العنف في سوريا". ويدعو ثانياً الى "عملية سياسية بقيادة سورية". وإذ يأخذ علماً بالخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية باطلاق الحوار واجراءات الإصلاح المعلنة، "يأسف لعدم احراز تقدم" في هذا الشأن. ويدعو أيضاً الى السماح لبعثة تقصي الحقائق التي ألفها مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالوصول الى سوريا من دون عوائق.
وعبّر نائب المندوب الصيني الدائم وانغ مين للمرة الأولى عن تقبل بلاده فكرة اصدار قرار. غير أن تشوركين ظل مستبعداً هذا الخيار.
وفي مؤتمر صحافي، سألت "النهار" المندوب الهندي هل توافق بلاده على وضع لبنان في الواجهة من خلال المطالبة ببيان رئاسي، فأجاب بوري: "نحن ندرك صعوبة المضي في بيان رئاسي. وهذا هو سبب رفضنا هذا الخيار". لكنه استدرك بأن "طريقة ما ينبغي أن توجد من أجل التغلب على هذه الصعوبة"، مشيراً الى "امكانات عدة، أولها السعي الى قرار، بيد أن هناك بعض الدول (أبرزها روسيا) الذي أعلن أنه لا يريد قراراً".
واقترح "الموافقة على عناصر بيان رئاسي أولاً، ثم نرى لاحقاً ما إذا كان يمكننا وضعها في صيغة قرار والتصويت عليه بموافقة 14 دولة" وامتناع لبنان عن التصويت.
وقال: "أريد أن أكون واضحاً هنا (…) إننا ادركنا ان لدى لبنان صعوبة في القبول ببيان رئاسي من المجلس".
وأبلغ مصدر ديبلوماسي معني بالمفاوضات الجارية أنه "اذا خفف بعض الدول طموحاته، يمكن التوصل الى صيغة مقبولة من 14 عضواً"، تجنباً لوضع لبنان في حرج. ورفض الخوض في "تفاصيل" الطبيعة النهائية للنص "لأننا لا نزال نعمل على المحتوى لا الشكل". كذلك رفض "وضع لبنان في الواجهة على الإطلاق".
وأفاد ديبلوماسي آخر بأن "المعركة الديبلوماسية بدأت الآن" لأن العناصر التي قدمتها البرازيل يمكن ادخالها في بيان رئاسي. وأكد أن "أحداً لا يحشر لبنان في الزاوية"، في حال الإتفاق على بيان رئاسي "يجري تحويله قراراً" وإذذاك "لن يواجه لبنان أي مشكلة".
كتبت راغدة درغام وجويس كرم من واشنطن في "الحياة":
خطت روسيا خطوة لافتة امس بإعلانها إنها لن تعارض «بيانا» من مجلس الامن بإدانة العنف في سورية «ما دام لا يتضمن فرض عقوبات أو غير ذلك من الضغوط». ورغم ان الصيغة الروسية تعني بيانا «بلا عضلات»، إلا انها تعد تطورا قد يرضي بعض الدول الغربية التي كثفت مساعيها خلال اليومين الماضيين لإدانة العنف في سورية. في موازة ذلك التقت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون وفدا من المعارضة السورية في واشنطن وذلك للمرة الاولى منذ بدء الازمة. وقال المعارض السوري رضوان زيادة إنه ابلغ كلينتون ان المعارضة ترغب بان «يطالب (الرئيس باراك) اوباما الرئيس الاسد بالتنحي على الفور». وتوازت التحركات الغربية امس مع استمرار الحملة الامنية في حماة وحمص وريف دمشق. وقال ناشطون إن الآلاف من سكان حماة غادروا المدينة إلى مدن اخرى.
ميدانيا، تحدث الناشطون عن انتشار امني مكثف في حماة ووجود قوى أمنية على مداخل ومخارج الطرق والشوارع الرئيسية وانتشار القناصة فوق اسطح المباني ما صعب الحركة وجعل دفن قتلى المواجهات مسألة عصية وخطيرة.
وذكر ناشطون مدافعون عن حقوق الانسان ان الهجمات التي شنتها قوات الامن أدت الى مقتل 27 مدنيا على الاقل من بينهم 13 في حماة. وقال اثنان من سكان حماة إن ثلاثة مدنيين قتلوا في المدينة بينهم شقيقان هما خالد وفاتح قانيل اللذان لقيا حتفهما عندما أطلق مسلحون النار على سيارتهما. وأضاف الشاهدان إن أعمال شغب استمرت لفترة قصيرة في وقت متأخر في السجن الرئيسي بحماة.
وعن التحركات الديبلوماسية، قالت الخارجية الروسية إن موسكو لن تعارض قرارا للأمم المتحدة بإدانة العنف في سورية ما دام لا يتضمن فرض عقوبات أو غير ذلك من «الضغوط». وأوضح سيرغي فيرشينين مسؤول إدارة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الخارجية الروسية إن روسيا لا تعارض «بصورة قطعية» تبني قرار ضد دمشق. واضاف: «نحن لسنا شكليين ولا نعارض بصورة قطعية شيئا في حد ذاته… إذا كانت هناك مواد غير متوازنة وعقوبات وضغوط… أعتقد بأن مثل هذا النوع من الضغوط سيء لأننا نريد تقليل إراقة الدماء ومزيدا من الديموقراطية».
وذكر ديبلوماسيون في الامم المتحدة ان اعضاء مجلس الامن «يمكن ان يتفقوا على بيان بسيط غير ملزم».
وانتقلت روسيا والصين ودول «إيساب» ( الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل)، من ضفة ممانعة تناول الأزمة السورية في مجلس الأمن، الى ضفة الإقرار بأن «لا مناص» من إصدار المجلس موقفاً ما، أرادت روسيا له أن يساوي، في إدانة استخدام العنف، بين السلطات السورية والمتظاهرين. كما تعمد السفير الروسي فيتالي تشوركين الاختباء وراء لبنان في طرحه فكرة إصدار المجلس بياناً رئاسياً ينبغي على كل الدول الأعضاء في المجلس الموافقة عليه بدلاً من إصدار قرار يمكن أي دولة عضو أن تصوت عليه كما تشاء.
وللمرة الاولى منذ اندلاع الأزمة السورية انخرط كامل أعضاء المجلس في صوغ نص بشأن الأزمة السورية في ضوء التدهور الكبير الذي يحدث على الساحة.
وطرحت الدول الأوروبية مشروع قرار فيما طرحت البرازيل عناصر إما لبيان أو لقرار. واجتمع المجلس في جلستين مغلقتين ليل الإثنين وصباح الثلاثاء، ثم تقرر تعليق الجلسة ريثما يعمل خبراء الدول الأعضاء في المجلس على نص «يزاوج» بين النصين الأوروبي والبرازيلي.
وحصلت «الحياة» على نص العناصر البرازيلية المقترحة وبموجبها «يدين مجلس الأمن جميع أنواع العنف، بما فيها استخدام القوة العسكرية ضد المدنيين غير المسلحين والعنف الطائفي والاشتباكات ضد القوات المسلحة».
وتضمنت العناصر نفسها «١ – الدعوة الى وقف العنف الفوري وحض جميع الأطراف على التحلي بضبط النفس واحترام القانون الإنساني الدولي والامتناع عن الأعمال الانتقامية، ٢- دعوة السلطات السورية الى التقيد بالتزاماتها الدولية بموجب حقوق الإنسان والقانون الإنساني وأن تطلق تحقيقاً ذي مصداقية وحيادياً، وفي هذ الصدد إن جميع الأطراف يجب ان يخضعوا للمحاسبة على العنف المرتكب إن كان ضد المدنيين غير المسلحين أو إن كان عنفاً طائفياً أو هجمات ضد القوات المسلحة». وفي العناصر البرازيلية أيضاَ «الدعوة الى عملية سياسية يقودها السوريون تكون شمولية وهدفها تلبية التطلعات المشروعة للشعب السوري». ويشير النص البرازيلي الى «إجراءات اتخذتها السلطات السورية من أجل إطلاق الحوار، والإجراءات الإصلاحية التي أعلنت عنها».
واستبعدت مصادر مجلس الأمن التوصل الى نص مشترك بصورة سريعة سيما وأن السفير الروسي قال إنه يعمل على أساس بيان رئاسي وليس على أساس قرار عن مجلس الأمن. وهذا من شأنه أن يسبب إحراجاً للحكومة اللبنانية ويضعها على المحك حيث أن عليها أن تتخذ موقفاً واضحاً إما عبر الالتحاق بالإجماع على بيان رئاسي أو في تعطيل إصدار مجلس الأمن موقفاً حيال الأزمة السورية.
وانتظر الوفد اللبناني لدى الأمم المتحدة الى حين استكمال التفاوض بين الفريق الغربي الذي يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والبرتغال وبين الفريق الذي يضم روسيا والصين و»إيساب».
وعن ناحية «الجوهر» في النص الذي يعمل أعضاء المجلس عليه، قال مصدر ديبلوماسي غربي رداً على السعي الروسي والبرازيلي للمساواة بين السلطات السورية والمتظاهرين في الإدانة «بالتأكيد ندين العنف لكننا لن نقبل أبداً أن نضع الجهتين في الخانة ذاتها».
وأكد تشوركين، رداً على سؤال لـ»الحياة»، أن روسيا «لن تقبل بتاتاً تبني مشروع قرار» إلا أن مصادر غربية في المجلس قالت «إن لديها مؤشرات من موسكو عن عدم إغلاق الباب في وجه إصدار قرار في المجلس».
وأوضح ديبلوماسي من دول «إيساب» أن ثمة اختلافا في مواقف أعضاء مجلس الأمن بشأن مستوى الإدانة لأعمال القمع، والموقف من تعرض جنود سوريين خلال التظاهرات للقتل ومسألة «الدفاع عن النفس» التي تواصل السلطات السورية استخدامها في تبريرها استخدام القوة العسكرية.
وفي واشنطن، استقبلت وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ستة معارضين سوريين، بينهم مرح بقاعي ورضوان زيادة ومحمد عبدالله، وحضره عن الجانب الأميركي ايضا السفير روبرت فورد والمستشار للشؤون السورية فرديريك هوف ومساعدة الوزيرة لشؤون الديموقراطية تمارا ويتس.
وأكد مسؤول في الخارجية الأميركية لـ»الحياة» أن الوقت المحدد للاجتماع كان 45 دقيقة «غير أنه استمر نحو ساعة». فيما نقلت شخصيات في المعارضة أن كلينتون أبدت اهتماما كبيرا و»دونت ملاحظات بنفسها». وسألت الناشطين الكثير من الأسئلة. ورأى المسؤول أن هذا يعكس «أولوية» الملف السوري لدى الوزيرة وداخل الادارة.
وعن مضمون الاجتماع أكد زيادة وبقاعي وعبدالله، في مؤتمر صحافي، أنهم طالبوا الادارة بدعوة الأسد الى التنحي، وانهم لمسوا من واشنطن «تخليها بالكامل عن نظام الأسد» وتركيزها على المرحلة الانتقالية. كما تعهدت كلينتون ان تعمل واشنطن، عبر مجلس الأمن ومع الاتحاد الأوروبي، على زيادة الضغوط على النظام السوري، من خلال عقوبات تستهدف قطاع النفط واستصدار قرارات في مجلس الأمن.
وفي جنيف، حذرت مفوضة الامم المتحدة لحقوق الانسان نافي بيلاي امس دمشق من ان «العالم يراقب ما يجري في سورية»، معربة عن «القلق الشديد» ازاء اعمال العنف خلال الايام القليلة الماضية.
