كتب المحلل السياسي في صحيفة "اللواء": يتحوّل لبنان شيئا فشيئا اسير دخول الاحداث في سوريا منعطفا خطرا وربما مفصليا. ومن المرجح ان تعكس الجلسة التشريعية العامة اليوم وغدا الانقسام السياسي العمودي في مقاربة الاحداث السورية، مع توقع ان تكون الاوراق الواردة التي سيسجلها نواب قوى الرابع عشر من آذار محور سجال قد يتطور في اتجاه تصعيدي، وسط تحضر اكثر من نائب في قوى الثامن من آذار وخصوصا اولئك المعروفون بولائهم للقيادة السورية، الى الرد على مواقف نواب المعارضة.
ويخشى المراقبون السياسيون من ان تتعدى الحماوة النيابية المستوى الذي كانت عليه في الجلسة النيابية الاخيرة التي كانت مخصصة للتصويت على الثقة بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي، ذلك ان الموقف الذي سجله الرئيس سعد الحريري في خصوص ما يحصل في سوريا ولا سيما في مسألة مدينة حماة، حمل رمزية لا تخفى على احد في دمشق ولدى حلفائها اللبنانيين، وتاليا لا يستغرب ان تكون الجلسات التشريعية مسرحا لردود قاسية، قد لا ينفع "حسن الادارة" في الابقاء على ايقاعها المقبول.
من نافل القول ان العلاقة بين الحريري ودمشق عادت الى ما قبل تصريحه الشهير الى صحيفة "الشرق الاوسط" قبل عام، ذلك ان النبرة العالية التي طبعت بيانه الاخير أعادت علاقته مع القيادة السورية إلى النقطة صفر على نحو ما كانت عليه، وخصوصاً بين العامين 2005 و 2008.
وتعتبر دمشق، بحسب ما تبين من بعض المعلومات الواردة منها، ان رئيس تيار "المستقبل" الذي لم يلامس في بيانه العلاقة بين البلدين على نحو ما كان يحدث زمن القطيعة التي تلت 14 شباط 2005، "بات يتعامل مع النظام في استحضاره حماه تحديدا على ان ذهابه مسألة وقت ليس الا، وهو في ذلك يتماهى ويتبنى الموقف الدولي، وتاليا ما كان خفيا صار معلنا ويتوجب التعامل معه وفق هذا المقتضى".
ويشير مطلعون على الموقف السوري الى ان "دمشق على رغم قساوة ما يحدث، تتوقع ان يشكّل الحوار الاميركي – الايراني الحاصل راهنا بعيدا في الكواليس الديبلوماسية الواسعة، مشهدا سياسيا اقليما مختلفا، وخصوصا ان هذا الحوار يتناول خصوصا مسألتين بالغتي الاهمية للادارة الاميركية، هما العراق وافغانستان".
ويلفت المطلعون الى ان دمشق "لن تتفاجأ متى دعيت الى ان تكون جزءا من طاولة الحوار الايراني – الاميركي، في مواضيع تشمل العراق ولبنان وفلسطين، ربطا بالاوراق التي تمسك بها في كلا البلدان الثلاثة. وعندها سيتبدل كليا المشهد السياسي السوري واللبناني والاقليمي، وستتغيّر معطيات كثيرة تراهن عليها قوى لبنانية".
في المقابل، لا يخفي ديبلوماسيون عاملون في بيروت ان "الأفق السوري مقفل في المدى المنظور ولا بوادر لو ضئيلة للخروج من الأزمة الوطنية التي تعيشها سوريا، فدوامة العنف تتسع، والفجوة تتعمق، والاحتجاجات لا تنقطع ليلا ونهارا، والقتلى في ازدياد، وعدد المتظاهرين تجاوز مئات الألاف بعدما كانوا بضع مئات في منتصف آذار، في حين وصل عدد القتلى إلى ثلاثة آلاف والمعتقلين إلى ثلاثين ألفا. وتاليا باتت الانتفاضة كرة ثلج هادرة شملت تخوم دمشق وصفوف الارستقراطية السنية التي عوّل عليها النظام كثيرا للبقاء الى جانبه صونا لمصالحها التجارية والاقتصادية والمالية".
ويلفت الديبلوماسيون الى ان سوريا "تعيش حال استنزاف بكل ما للكلمة من معنى مرشحة للاستمرار طويلا، وقد يكون للثوار الكلمة الفصل في حال تمكنوا من الصمود، اذ ان الاستنزاف يفقد النظام الكثير من المناعة ويقضم بإطراد شرعيته الدولية".
غير ان احد الديبلوماسيين هؤلاء يبدي قلقا وخشية من ان "تطول فترة الاستنزاف، بحيث لا يسجل أي فوز قريب ومستحق لا للثوار ولا للنظام، مما يحوّل الازمة المستعرة حرب شوارع طائفية ومذهبية وربما حربا اهلية خبرها اللبنانيون طوال 15 عاما، واختلط فيها العامل الداخلي بالعوامل الدولية والمصالح الاستخبارية المتنافسة والمتزاحمة على اقتسام الفوائد وساحات النفوذ".
ولا يسقط الديبلوماسي امكان ان تتحول المعارضة السورية الى مسلحة، اذ ان "طول المواجهة والانقسام في مجلس الامن الدولي حول طريقة التعامل مع ما يحصل، وهو انقسام متواصل ومتراكم منذ اكثر من شهرين، سيدفع المعارضة الى التحول نحو التسلح الجدي كلّما زاد النظام من جرعاته العسكرية. وتاليا، سيدفع طول عمر الأزمة في اتجاه حرب أهلية، حيث لن يستمر المحتجون في المواجهة السلمية• وهذا الانتقال المفصلي، في حال تحقق، سيضع المتشددين في واجهة القيادة المعارضتية وسيسقط دعاة المواجهة الغاندية اللاعنفية، وسيضع سوريا في فم التنين".
تأسيسا على هذه القراءة، يرى المراقبون السياسيون ان المرحلة اللبنانية الراهنة تحمل الكثير من العوامل المتفجرة، ربطا بالحوادث في سوريا وانعكاساتها محليا كما طائفيا ومذهبيا، وكذلك بما ستحمله المحكمة الدولية من مفاجآت "لا تشمل فقط تفاصيل القرار الاتهامي بل تتعداها الى لوائح توقيفات جديدة، قيل ان من بينها نائبان شمالي وجنوبي فضلا عن مسؤولين سابقين وربما مساعدين او مستشارين لهؤلاء".
ويشير المراقبون انفسهم الى ان مجمل هذه النقاط المتفجرة لا بد ان تأخذ مداها لبنانيا، "ما يضع البلد على صفيح ساخن من الاستحقاقات لا يبدو ان السلطة اللبنانية قادرة على تطويق مفاعيلها اذ ان المواجهة المفتوحة لبنانيا وسوريا غير محددة السقف، ولا يبدي أي من الاطراف المؤثرة رغبة في الاسهام في اطفاء الحرائق التي قد تنتج منها، اذ ان هذه العناصر باتت جزءا لا يتجزأ من وسائل القتال السياسي، ومرتكزا في الحروب الوقائية التي تخاض على اكثر من جبهة، وخصوصا على جبهة الحكومة".