على قاعدة "الكحل أحلى من العمى" ربما تتشكل فرصة جيدة للناس ان أتاحت لهم الورشة الحكومية والنيابية الموعودة خلال شهر آب أن تتقدم أولوياتهم لمرة الى الواجهة على حساب أولويات السياسة. ففي طبق اليوميات اللبنانية وولائم الهموم المتراكمة ما لم يعد ممكناً معه إلا توقع انفجارات اجتماعية مزلزلة في يوم ما إن مضى نهج الاستهانة السياسية والتهميش المزمن لكل ما يتصل بالناس.
والحال أن هذا الجانب الشديد التأزم في الواقع اللبناني أفضى الى صورة بلد يعيش ديكتاتورية مقنعة بعدما أمعنت سياسات التعطيل المعروفة منذ عام 2005 في قمع خدماتي واجتماعي تحت سطوة الصراع السياسي وأولوياته القاهرة. وإذا كان من عنوان حقيقي للواقع اللبناني اليوم فهو انه في معايير الدول المتحضرة والنامية سواء بسواء يندرج في أسفل السلم.
ويكفي للدلالة على ذلك إبراز طبق اليوميات الحقيقية للناس التي تتزاحم فيها أزمات الكهرباء والغلاء والبطالة وزحمة السير والاستشفاء والمياه والتراجع المذهل في الخدمات العادية وصولاً الى الخدمات "الناشئة" في عالم الانترنت والاتصالات.
هذا الملف بدوره امتهنته السياسة واخضعته لأبشع ما يمكن أن يصيب مواطناً في أي بلد، إذ ربط باصلاح مزعوم كاذب وبصراع على المصالح والمحاصصات واقتحمه الفساد من أبوابه العريضة والضيقة ولم تقم مرّة فرصة لنقاش موضوعي في حده الأدنى تتيح إمكانات المحاسبة المتجردة لكل قوافل السياسات المتعاقبة.
بل إن ثمة مفارقات مفعمة بالسخرية نشهدها اليوم مع تسخير الواقع السلطوي الجديد للاقتصاص من الواقع السلطوي السابق على أيدي مخضرمين يتحملون تبعة التعطيل الكيدي حين كانوا في السلطة ولدى انقلابهم عليها اضحوا مبشرين بالفجر الطالع "النظيف"، مع ان كثيراً من الملفات المزمنة في التقهقر نمت على أيديهم وبفعل مسؤولياتهم المباشرة ليس منذ عام 2005 فقط بل من مطالع التسعينيات في القرن الماضي.