#dfp #adsense

من عهد الوصاية السورية إلى عهد وصاية السلاح… تعرضتْ لضغوط كبيرة لكنها لم تفكر يوماً أن هناك من يخطط لقتلها… ميّ شدياق: أبلغوني .. “أبو عبدو” بدّو يشرب من دمّك

حجم الخط

كتبت كارلا خطار في "المستقبل":

لم تكن محاولة الاغتيال التي تعرضت لها الزميلة ميّ شدياق في 25 ايلول من العام 2005، مسألة انتقام شخصية بينها وبين المعتدين، بل وليدة سنوات طويلة من الظلم والتهديد والممارسات الكيدية ضد عملها الصحافي. منذ ذلك اليوم، وما سبقه وتلاه، وقعت اغتيالات سياسية عدة أودت بحياة سياسيين نواب وإعلاميين.. تحولت ميّ الى شهيدة حية وشاهدة على مرحلة سوداء من تاريخ لبنان تتذكر منها الاعلامية المخضرمة كل صغيرة وكبيرة وتتحدث الى "المستقبل" عن كل "فصولها". كانت هي المرأة الوحيدة التي تعرضت لمحاولة اغتيال، لماذا؟ لأنها كانت تؤدي عملا إعلاميا صرفا دفاعا عن قرار لبنان الحر من خلال مطالبتها بالعدالة الدولية.. ولا تحصر مي المرحلة السوداء من تاريخ لبنان بالعامين 1998 و2000، بل تعود الى الوراء، الى العام 1992 بعد الانقلاب على الطائف وحل حزب "القوات اللبنانية" وإغلاق المحطات الاعلامية، وتنطلق في حديثها من العام 1998.

في العام 1998، انتخب اميل لحود رئيسا للجمهورية اللبنانية، فتأمل اللبنانيون خيرا، إنما لم يلبث ان "ذاب الثلج وبان المرج".. وهنا تتذكر اللقاء الذي جمع لحود والرئيس السوري بشار الاسد حين "طبّش له الاخير على خدّه". كانت الادوات السورية في لبنان تقود السفينة وتنفذ سياسة سوريا في لبنان بهدف تشويه صورة الرئيس رفيق الحريري. فقد حاولت تلك الادوات ان تظهر للبنانيين انها تعمل في مصلحة المسيحيين في لبنان وان الرئيس الحريري يسعى الى تأمين المصالح السعودية على حساب مصلحة المسيحيين. وتتابع شدياق "نتج عن هذه الآراء المتضاربة نوع من التوتر والتشويش ولا أنكر ان اللبنانيين كانوا يعيشون مرحلة من الضياع".

عانى الجسم الاعلامي القهر منذ العام 1992 تتحدث مي عن مراقبين كانوا يرسلون من قبل النظام الامني اللبناني- السوري فتقول: كانوا يرسلون المراقبين الى "المؤسسة اللبنانية للارسال" لمراقبة عملنا".. من هم؟ تجيب: "كانوا معروفين وكثر، مرسلين من قبل مسؤولي أجهزة أمنية أو وزراء مثلا.. كانوا مقربين من سوريا. وفي المرحلة الانتقالية بعدما حلوا حزب "القوات اللبنانية"، كانت المؤسسة اللبنانية للارسال تريد إنقاذ نفسها من التعرض للاقفال كسائر المؤسسات التابعة للقوات فكانوا يمنعوننا من كتابة خبر. .. كانت الرقابة دائمة ومستمرة، إنما مع الوقت كان "نَفَس الـ LBC" يغلب على الرقابة وقد تمردنا كلنا على هذا الظلم".

وتروي مي قصة أخرى عن الضغوط التي كانت تمارسها ادوات سوريا في لبنان: " مرة فُرض مذيع في المحطة في تحدٍ لإرادة الادارة وأعتقد يومها أنّ هذا الزميل دفع ثمن تصفية حسابات".

مع الوقت أخذت الرياح الضاغطة الآتية من سوريا تطال معظم الأفرقاء، و كلمّا اقتربنا من مرحلة الـ98 كانوا يضيئون سلباً على ما يقوم به الرئيس الحريري على المستوى السياسي والاقتصادي، ويعطون الانطباع أنّه مشروع فئوي ويخلقون حال "نقزة" منه عبر تسويق فكرة أنّه يُنفّذ مشروعاً اقليمياً تحت شعار "ان لم تؤسلم الشعب فأسلم الارض"، فيما كانت التمريرات والصفقات و"الكوميسيونات" مفروضة عبر جهات معينة محلية وإقليمية تدّعي العفّة!.. كانت تنظَم وقتها تكتيكيا مهرجانات "البعث" وتظاهرة السواطير وقيام تنظيم قراقيرة".. وتنتقل مي الى الحديث عن "مرحلة فاعل الخير وهو صندوق بريد يتقدم من خلاله المعترضون بشكاوى الى القصر الجمهوري، فكان يمكن لأي كان ان يشكو من يريد ويدخله السجن، وقد أدخل الكثير من الأبرياء السجن وكانت مرحلة "تصفية حسابات" مع عهد الرئيس الهراوي".

سيارات الأمن العام طاردتني
شخصيا، تعرضت مي لتهديدات غير مباشرة منذ البدايات "خصوصاً عند الدفاع عن القادة المسيحيين المعتقلين والمنفيين. لكنّ الوضع استفحل بعد الـ 98 ليصل الى أوْجه مع بيان مجلس المطارنة في أيلول الـ 2000 الذي دعا للمرة الاولى وبلهجة عنيفة الى خروج الجيش السوري من لبنان وحمّل حينها سوريا كامل المسؤولية عن الوضع القائم منذ سنين، وصار البطريرك مار نصرالله بطرس صفير يرفع اللهجة ونحن نواكبه في الإعلام. وقتها لم تعد الأجهزة وبعض الجهات المحلية تتحمّل أي كلمة"… ومن "الفصول" التي كانت تجري معها: "في شباط العام 2004، صدر بيان عن مجلس المطارنة الموارنة يتضمن تعليقات على الموظف السوري الذي يحكم لبنان فقررت ان استضيف المطران بشارة الراعي الذي انتقد في حديثه رستم غزالي وردد غير مرة خلال المقابلة اسم "ابو عبدو" الذي كان غزالي معروفا به. وراح الراعي يتحدث عن كيفية ادارة السوريين للبنان الذي يعجز عن التحكم بمصيره. وعلا يومها مستوى الحديث ولا انكر شعوري بأنيّ احسست بالخطر.. وعندما غادرت المحطة، التقيت الشيخ بيار الضاهر على المدخل ففتح نافذة سيارته لينقل لي تهديدا تلقاه للتوّ فقال لي "بيقلِك أبو عبدو بدّو يشرب من دمك".

وكانت الاتصالات المباشرة اي التي تتلقاها مي على هاتفها الخاص ترد "بعد كل حلقة ما بتعجبهن".. وتشرح:"كانوا يقولون لي على الهاتف "ممنوع تستقبلي هالضيف.. كتير تخطيت الحدود.. وما بيصير هيك". التهديدات كانت تتزايد مثلا عندما كانت تستضيف جبران تويني: "كنت اعرف ان حديث التهديد كان يتم بواسطة التلفون حتى يعرف من يتنصت على المسؤول انه أبلغني الرسالة"..

بعد كل حلقة كانت تطل من خلالها ميّ على المشاهدين مذكّرة بالشهداء وملقيةً الضوء على التحقيقات المتعلقة باغتيال الحريري كان ينصبّ الغضب عليها. كان ممنوع الكلام حول امكانية تورّط بعض مسؤولي النظام السوري وكانت الضغوط تتزايد عند التجرّؤ على الاشارة الى المكان الذي وُضِع فيه أكثر من طن من المتفجّرات في "فان الميتسوبيشي" الذي فُجّر أثناء مرور موكب الرئيس الحريري: "إذا علقّت مثلا على مشهد الضريح وأثنيت على مشهد اللقاء في الصلاة بين راهبة كاثوليكية وشاب يحمل القرآن كنت أتلقّى اتصالا من الادارة تنقل فيه اعتراض الأجهزة عليّ!"، تقول وتتابع، "التهديدات الهاتفية كانت تتوالى وكانت سيارات الامن العام وأمن الدولة، تلاحقني على الطرق، فكرتُ بأن ذلك عاديّ ولم ادرك أنني كصحافية قد أكون يوما عرضة للاغتيال".

مراسيل.. وخوف من البث المباشر
وكانت محطة الـ LBC تتلقى اتصالات تهديد خصوصا بعد الاحاديث التي كنت أنتقد فيها السيد حسن نصرالله. أذكر مرة في صيف 2005، وبعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري، قال رجل دين رفيع المستوى خلال مقابلة صحفية انه كان له حديث مطوّل مع الرئيس الحريري وقد تحدثا عن المسيحيين، في إشارة الى ان نسبتهم ستتدنى من 25% الى 17%، لذا يجب تقاسم السلطة في ما بينهما.. وتقول مي: "يومها أذكر تماما أنني قلت على التلفزيون ان التحدث عن لسان الاموات حرام.. لماذا كل يوم يفتحون درجاً ويخترعون أحاديث عن لسان الرئيس الحريري؟ في الواقع، كنت أضع علامات استفهام على هذه المعلومات لأنني كنت أدرك ان عدداً كبيراً من فريق العمل الذي يعمل مع الرئيس الحريري هو من المسيحيين وأشكّ بأن هذا الحديث جرى.. وقبل محاولة اغتيالي بأسابيع أطل رجل الدين المشار إليه أعلاه في أحد تصاريحه لينتقد بشكل مباشر المذيعة التي تقدم برنامجا سياسيا صباحيا. وبعد كل التعليقات التي كنت اتوجه بها عبر الـ LBC كانت اتصالات التهديد تنهال علي "كيف بتسمحي لحالك تحكي هيك..". هنا، تقول ميّ، كان ضاق صدرهم الى اقصى الحدود، علما اننا كنا نتعاطى بحرفية مع المعطيات الموجودة والتقارير المتناقلة ولم نكن نؤلف الاخبار "من بيت بيّنا".. "كل يوم لي خلقو ربنا" كان المسؤول الامني يتصل بالمحطة ليسألهم "ليش ابتسمت مي؟ وعندما أجادل ضيفاً وأنقل وجهة نظر المعارضة يكون الانتقاد: مين قصدا بكلمة نحنا؟ شو انتو الـ LBC صرتو المعارضة؟" ويرتجف صوت مي، عند استذكار تلك الحقبة وتتابع: "إذا تحدثت عن حزب الله او سوريا "بتقوم القيامة" علما أنني كنت أقوم بمهمّتي كصحافية. وعند إضاءتي على معلومات حول التحقيق كان السؤال "هل كان من الضروري أن تقرأي الصحف؟" وعند انتشال جثة محمد غلاييني من ساحة السان جورج بعد تفجير الرئيس الحريري، سألت عن سبب التأخير فأجابت الزميلة التي كانت تنقل رسالة مباشرة أنهم لا يريدون المسّ بمسرح الجريمة فتعجبتُ قائلة: طالما لا يريدون المسّ بمسرح الجريمة فلماذا انتشلت السيارات؟ فأرسلوا الي "مرسالا" مفاده "ممنوع أخذ مي شدياق LIVE". كان الضغط عليّ الى اقصى الحدود في تلك الفترة، إنما لم أفكر يوما أنّ هناك من يخطّط لقتلي.

.. الحكومة تحاول عبثاً
وتؤكد مي ان فشل التهديدات الشفوية لها ولجبران تويني وسمير قصير حمل المجرمين على التخطيط لاغتيالهم: "إنما المفارقة أنني الصحافية الوحيدة التي استُهدفت ولم أكُن أحمل في تلك الاثناء الا صفة صحافية واعلامية. فسمير قصير كان ناشطا سياسيا وفاعلا في 14 آذار، وجبران تويني كان نائبا.. اما انا فلم أكن أؤدي اي عمل سياسي، بل اكتفيت بعملي الصحافي والاعلامي الذي يملي عليّ ان أدافع عن لبنان وأحمل في كلمتي حريته وقضيته". غصّة في صوتها: "انا الصحافية الوحيدة والمرأة الوحيدة التي استهدفت".

هل ترين مع الحكومة الجديدة عودة الى الحقبة السوداء؟ تكرر مي السؤال: مع الحكومة الجديدة؟ إنهم يحاولون عبثا. في الفترة الماضية كانت الضغوط اكبر. كانوا يضيّقون على عملي الصحافي لأنني بالنسبة اليهم رمز لثورة الارز، من خلال إطلالتي على الشاشة في كل اسبوع وتذكير اللبنانيين بقضية الشهداء والمحكمة الدولية.. وانا أحمل علامات الاستشهاد في جسدي.. بيدي المبتورة وجسمي "المقطّش".. كانوا يريدون إلغائي وتعطيل عملي، ومشكلتهم معي لم تكن شخصية بل لأنني كنت أدافع عن الشهداء وأطالب بالمحكمة.

إذا كيف للاعلاميين اليوم ان يواجهوا هذه الحقبة الجديدة ـ القديمة؟ تجيب: الحكومة لا يمكنها ان تهدد.. لقد كنا نقوم بمهمتنا كإعلاميين حين أشرنا بالاصبع الى أحمد منصور (بعد تفجير الاونسكو). حينها ظهر الوزير جورج سعادة وقال إنّهم قتلوا لأنهم مسيحيون، فاعتبر المسؤولون في الدولة ان المؤسسة اللبنانية للارسال تحرّض طائفيا وكان جلّ ما فعلناه أن عدّدنا أسماء القتلى وتبيّن من خلال الأسماء أنهم مسيحيون، وساقوني الى المحكمة للتحقيق علما أنني كنت أقوم بمهمتي الاخبارية. ضغوط كثيرة كانت تمارس في هذا الاتجاه، ومعروف من كان وراءها. فالوصي السوري كان يتحكّم بكل مقدرات البلاد. واليوم لم يعد بإمكانهم إقفال اي محطة إعلامية مستندين الى قانون الانتخابات! وإذا فكروا بإقفال محطة تلفزيونية بالقانون فلن نقبل، لأن ما حصل للـ MTV لن يتكرر، أصلا القانون تغيّر".

".. سنقتلها"
تضيف ميّ: "أذكر جيدا يوم استشهاد الرئيس الحريري كان ذاهبا لمعارضة المادة 86 من الدستور، والتي لها علاقة بالإعلام، لأنه كان على علم بأنهم كانوا سيجرّونه إلى معركة لإقفال تلفزيون "المستقبل"، وكان سيعارض المادة 62 و63 التي تتعلق بالنفقات الإنتخابية والتي إذا ما زادت يجب أن تُعتبر رشوة إنتخابية. ولكن الاقفال القسري بقوة الامر الواقع وسطوة السلاح فهذا أمر آخر.. ففي أيار من العام 2007 عندما احتُلّت بيروت، أقفلت محطة "المستقبل" بالقوة وأجبِر موظّفوها على مغادرتها تحت التهديد. وبما أنني شاركت في التظاهرة دعما للمحطّة وألقيت كلمة فكان أنْ نقل إليّ مسؤول في الـ LBC مرتين وفي أسبوعين متتاليين قُبيل برنامجي "بكل جرأة" تهديداً مباشراً بالقتل "يبدو أنهاّ لم تفهم… قلْ لها بأننا سنقتلها". يومها نقلت هذا التهديد مباشرة الى محققي المحكمة الدولية أثناء وجودهم في بيروت".

وفي هذه الايام، الاعلامي مهدد في أي لحظة. كيف؟ تجيب ميّ: "الكاميرا التي تصوّر مخالفة على طريق المطار مهددة والصحافيون يُضربون.. إذا كانت عناوين الصحف تتحدّث عن استهداف 3 أمنيين و3 آليات عسكرية أثناء منع مخالفة بناء على طريق المطار، فهل من مانع من استهداف الاعلاميين؟ تتساءل وتتوجه الى الاعلاميين: هذا تحد يومي، ومن يردّد "شو بدي بهالشغلة" فليخترْ عملاً آخر. والا لن يكون صحافياً. والاعلام ليس محصورا بحرية الاعلامي، بل بالمؤسسة التي ينتمي اليها، حيث هناك مؤسسات لا تقبل الصوت المغاير لها.. "وفي الآخر؟ او بتصير مثلن او بترحل عنهن..".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل