كتب د.عامر مشموشي في صحيفة "اللواء": خطت الحكومة الميقاتية أولى خطواتها، على طريق تفعيل عمل المؤسسات الرسمية المشلولة، بسبب الخلافات المستحكمة بين فريقي الرابع عشر والثامن من آذار من خلال إصدارها دفعة أولى من التعيينات في المراكز الأمنية القيادية، واستعدادها لإصدار دفعات جديدة بالسرعة المطلوبة لإملاء كل الشواغر في الإدارات والمؤسسات الرسمية.
وفي موازاة هذه الحركة النشطة للحكومة الميقاتية التي تواجه معارضة قوية، استعاد مجلس النواب نشاطه وحوّل رئيسه شهر العطلة السنوية الى جلسات تشريع استثنائية، لإقرار العدد الوافر من مشاريع واقتراحات القوانين المجمّدة في مبنى ساحة النجمة منذ سنين والتي لم يتسن للمجلس مناقشتها لانقطاعه القسري عن عقد جلسات، جراء الانقسام الداخلي العميق والخلافات المستحكمة بين السلطات الرسمية، ما أدى إلى تعطيل التشريع وتراكم من مشاريع القوانين والاقتراحات في مكتب رئيسه.
وهذه الحركة النشطة على مستوى مجلس الوزراء من جهة، وعلى مستوى مجلس النواب من جهة ثانية، من شأنها أن تعطي زخماً للحكومة الميقاتية، وتحصّنها في وجه المعارضة التي تتربص بها للانقضاض عليها، بسبب فشلها في القيام بتحمّل مسؤولياتها في تحريك عجلة الدولة والنهوض بالواقع المشلول جراء الانقسام الحاصل.
ولكن مع هذه الاندفاعة الداخلية تواجه الحكومة عدة استحقاقات كبرى قد لا تخرج منها من دون خسائر محلية أو إقليمية أو دولية رغم الدعم القوي لها من حزب الله وفريقه الداخلي والخارجي، ما لم تُحسن التعاطي مع هذه الاستحقاقات وبالشكل المطلوب.
وأول هذه الاستحقاقات العلاقة مع المجتمع الدولي من خلال التزامها أو عدم التزامها بالشرعية الدولية وقراراتها، كالقرار 1701 والقرار 1757 المتعلق بالمحكمة ذات الطابع الدولي، والقرارات الأخرى ذات الصلة.
فبالنسبة إلى القرار 1701 أصبح واضحاً بعد مخاوف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة السيد وليامز التي نقلها إلى رئيس الحكومة بعد حادث العديسة الأخير أن المجتمع الدولي وخصوصاً الدول المشاركة في قوات الطوارئ لا يشعر بالرضى والارتياح تجاه أداء الحكومة في شأن التزامها بالقرار، وعلى ضوء الاعتداءات المتكررة التي تتعرض لها من حين إلى آخر هذه القوات سواء تحت مسميات غضب الأهالي أو تفجير الدوريات التابعة لها بين الحين والآخر من دون حصول أي رد فعل جدي من جانب الحكومة اللبنانية، ومن دون القيام بأية خطوات عملية على صعيد التحقيقات التي يفترض بها أن تجريها لمعرفة الجهات المعتدية، فضلاً عن تبلّغها بتراجع عديد الجيش اللبناني المتواجد في الجنوب لمساندة قوات اليونيفل الى أربعة آلاف عنصر بدلاً من خمسة عشر ألف عنصر عملاً بالقرار 1701 الذي أنهى الأعمال العدائية بين لبنان واسرائيل.
ويشير المراقبون إلى أن اليونيفل تبدي ملاحظات ترفعها لدولها وللأمم المتحدة بشأن تصرف الجيش اللبناني وقصوره عن مساندتها وتنفيذ التزامات حكومته وأن هذه القوات تعرف الجهات التي تنفذ الاعتداءات عليها وقد أبلغتها إلى السلطات اللبنانية، وإلى الأمم المتحدة، وما زالت تنتظر مع الأمم المتحدة موقف الحكومة اللبنانية ونتائج تحقيقاتها وهو ما عبّر عنه السيد وليامز إلى الرئيس ميقاتي مؤخراً وإلى السلطات اللبنانية الرسمية في عدة مناسبات.
وفي موضوع المحكمة الخاصة بلبنان، تقول مصادر دبلوماسية بأن الحكومة اللبنانية لم تُجب حتى الساعة على أسئلة محددة تتعلق بتمويل المحكمة وبالخطوات التي أنجزتها من أجل إلقاء القبض على من اتهمتهم المحكمة بالتورط في اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ما حمل قاضي الاجراءات التمهيدية فرنسين إلى نشر أسماء المتهمين والتهم الموجهة إليهم، وإلى إعلانه أنه لا يزال ينتظر ردّ الحكومة اللبنانية حول الاجراءات التي اتخذتها لتسليمهم إلى المحكمة قبل انتهاء مهلة الثلاثين يوماً التي نص عليها نظام المحكمة.
أما ثاني الاستحقاقات فيتمثّل بالدعوة إلى استئناف اجتماعات هيئة الحوار تزامناً مع اشتداد الأزمة الاقليمية حيث لا يوجد حتى الآن، أي مؤشّر على وجود إمكانية لعقدها في ظل التباين حول جدول أعمالها، بين من يريد حصره بموضوع سلاح حزب الله، ومصيره، إنفاذاً لاتفاق الدوحة الذي نص صراحة على حصرية السلاح بيد الدولة وحدها ومن يصرّ على ان يبقي هذا السلاح خارج أي بحث على طاولة الحوار أو في مجلس الوزراء.
وعلى الرغم من أن رئيس الجمهورية لم يقطع بعد الأمل في انعقاد هيئة الحوار، فإن الأجواء المحيطة لا تجاريه في ذلك، وترجّح ان تذهب مساعيه التي يقوم بها أدراج الرياح، لتبقى هيئة الحوار مشروعاً غير قابل للتحقيق، وليبقى الخلاف حول السلاح مستحكماً وفي وتيرة متصاعدة، ما يجعل الوضع العام بعيداً عن الاستقرار الذي تريد الحكومة توفيره من دون أن تسعى لتوفير الأرضية الصالحة له.
وإلى هذين الاستحقاقين تواجه الحكومة استحقاق الملف الاقتصادي والاجتماعي، حيث تشير المعلومات الى أن بعض الوزراء قد ورّطوا الحكومة ورئيسها في مواقف سبقت تشكيلها من خلال إغراق الوعود خصوصاً في موضوعي اسعار البنزين والكهرباء وزيادة الاجور لم يبادروا الى وضع أي خطة أو تصوّر عملي لبلوغ هذه الاهداف، ما جعل شريحة واسعة من اللبنانيين تستنفر ضد الحكومة وتهدد بإجراءات ومواقف من شأنها زعزعة الاستقرار العام.
ويرى مراقبون ان الحكومة ستكون في مواجهة أزمة إقتصادية بعيداً عن نظريات المؤامرة والاستهداف في ظل تراجع الموسم السياحي بسبب ما يجري في سوريا التي تشكل ممراً للعديد من السياح العرب فضلاً عن التوترات التي تضرب لبنان بين الحين والآخر سياسياً وأمنياً، إضافة الى الخطر الذي يهدد لبنان جراء احجام الدول عن مساعدة لبنان لتجاوز أزماته الاقتصادية سواء من الدول العربية أو الغربية وخصوصاً في ضوء ما يشاع عن قرب تشديد العقوبات على سوريا ما ينعكس بدوره على لبنان الذي يواجه عملياً مأزق عدم تجاوبه مع القرارات الدولية بمعاقبة سوريا إقتصادياً.
وحيال هذا الوضع المعقد والمربك تجد الحكومة نفسها محاصرة بمواقف مسبقة يستحيل عليها تجاوزها.