يشكل صمود مدينة حماه أمام محاولات النظام استعادة السيطرة عليها، محطة مفصلية على طريق الثورة السورية المستمرة منذ نحو خمسة أشهر رغم تصاعد القمع الدموي. فقد بقيت المدينة الرمز عاصية رغم تقدم عشرات الدبابات أمس الى إحدى ساحاتها الرئيسية، في ظل انشغال إعلامي وشعبي عربي بمتابعة وقائع أول جلسة علنية من جلسات محاكمة الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك، في إطار استكمال الهجوم الذي بدأ الأحد، مسقطاً في يوم واحد مئة قتيل من أبنائها.
فصمود حماه في مواجهة محاولة اقتحام انطلقت عشية الأول من رمضان، بعد حصار محكم استمر شهراً، يعني أن أهاليها تخطوا رعب ذكريات الهجمات التي دمرت مدينتهم مطلع الثمانينات وأسقطت عشرات الآلاف من القتلى ولم يعد أمامهم إلا مواصلة التمسك بمطالبهم. وهم بذلك يتساوون مع مدن أخرى منتشرة في طول البلاد وعرضها لم تتوقف عن التظاهر والمطالبة بإسقاط النظام.
وتتواصل الثورة السورية وسط صمت عربي ودولي مريب لكنه لا يصب حكماً في مصلحة النظام.
فمرور الوقت من دون نجاح النظام في قمع التحركات رغم العنف المفرط سيدفع بشرائح مرتبطة به، خصوصاً في دمشق وحلب، إلى الخروج عن تحفظها بسبب تأكّل مصالحها الاقتصادية أساساً مع جمود قطاعات التجارة والزراعة والصناعة إضافة الى السياحة التي يشكل مدخولها 23 في المئة من المدخول العام. وفي هذا الوقت تتزايد الأثمان التي يدفعها الثوار مما يجعل تراجعهم شبه مستحيل.
كما سيؤدي مرور الوقت إلى زعزعة الجمود العربي والدولي رغم الأوراق التي ما زال النظام السوري محتفظاً بها لإشاعة الذعر من احتمال سقوطه: حرب علوية-سنية تتخطى حدوده لتصبح فتنة سنية- شيعية تندلع أولاً في لبنان لتنتقل إلى سائر دول المنطقة، قيام دولة علوية كمقدمة لتفتيت دول المنطقة…
لكن، تدل معطيات الأشهر الماضية على أن هذه الأوراق ستبقى بلا مردود أسوة بورقة سبق له أن استخدمها عبثاً عندما لوّح بتهديد أمن إسرائيل من حدود الجولان عبر تظاهرات للفلسطينيين. فقد تخطى ثوار سوريا كل محاولات تحويل احتجاجاتهم إلى حرب أهلية تخيف الأقليات، كما أن تفتيت المنطقة يتطلب رسم خريطة جيو-سياسية جديدة لا تبدو أي من الدول الكبرى متفرغة لها حالياً إما بسبب أزماتها الداخلية (أزمة الدين في الولايات المتحدة) أو بسبب عدم نجاح تجربة حلف الأطلسي في القضاء على نظام العقيد معمّر القذافي في ليبيا أو نجاح دول الخليج في حل أزمة اليمن.
فقد جاءت الردود على محاولة اقتحام حماه خجولة لم تتعد الإدانة اللفظية، سواء من أميركا او أوروبا وتركيا التي سبق لها أن أقامت مخيمات للنازحين على أرضها.
فرغم عدم نجاح مجلس الأمن الدولي حتى الآن في إصدار بيان يدين سلوك النظام السوري تتوالى الجلسات التي لم يرحب لبنان، ممثل المجموعة العربية، خلالها بصدور بيان رئاسي يحمّل السلطات السورية مسؤولية العنف.
وقد ظهرت بوادر تغيّر ما في الموقف الروسي الذي كان في السابق قاطعاً في رفضه لأي بيان مماثل وذلك ما عبر عنه مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين بقوله "إذا اكتفى مجلس الأمن الدولي بتبني بيان لرئيسه فسوف تجد روسيا ذلك رد فعل مرضياً على أحداث سوريا".
وصحيح أن الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي لا تزالان صامتتين على تصاعد العنف بدرجة تدل على أن خيار النهج الصوري للإصلاح سقط وتم مجدداً إعتماد الحسم العسكري وحده. كما صحيح أن دول الخليج ما تزال صامتة رغم لجوء قطر الى سحب سفيرها، لكن وسائل إعلامهم ناشطة في نقل الوقائع وكشف ما يجري أمام الرأي العام.
لكن وفي مقابل الابتعاد العربي عن التعليق الرسمي على ما يجري في سوريا، يتنطح حلفاء دمشق المحليون للدفاع عن النظام في مواجهة ما يسميه "المؤامرة" الخارجية. ففي لبنان جرت تظاهرات موالية للنظام بهدوء فيما تعرض عشرات المتعاطفين مع الشعب السوري مساء الثلاثاء للقمع على أيدي ميليشيا تابعة لدمشق وهو ما دفع بالنائب وليد جنبلاط إلى التمسك بـ"ضرورة أن تبقى مساحة حرية التعبير مصانة لأنها تتلازم مع التعددية والتنوع الذي يتميز به لبنان"، وهو الذي سبق له أن وصف ما يجري في سوريا بـ"الثورة" وألغى قبل يومين مقالته الأسبوعية المعتادة "لأن الزمن هو زمن التضامن ولو المعنوي مع الشعوب المقهورة".
كما شنت رموز موالية للنظام السوري هجوماً على قادة لقوى 14 آذار تعاطفت مع الشعب السوري كلامياً، وأدانت عمليات القتل التي يتعرض لها وفي مقدمهم الرئيس سعد الحريري. وجرى طرح الموضوع على طاولة الحكومة التي يتحكم "حزب الله" بقراراتها باعتباره مضرّاً بمصلحة لبنان، البلد الوحيد الذي عرف فعلياً على مدى ثلاثة عقود طبيعة نظام دمشق الذي تجاوز عدد ضحاياه في سوريا ضحايا حرب إسرائيل على غزة وضحايا حرب إسرائيل الأخيرة على لبنان صيف العام 2006.