اللبنانيّون ممنوعون من التضامن مع الشعب السوري، فسورية بالنسبة لرئاسات لبنان «نظام حاكم»، ليست دولة، وليست شعباً شقيقاً، وتنهار أحجية «العلاقة المميّزة» وخديعة «التاريخ والجغرافيا» التي يُفترض أنها متمثلة بالشعب السوري، وتخيلوا أن ما يسمّى بـ «الدولة» وهي «مكرسحة وعمياء وصماء وبكماء» في لبنان، و»طرطورة» أمام «فرمانات» حزب الله، واقفة في مجلس الأمن «وقفة ممانعة» مؤيدة لاستمرار قتل الشعب السوري، حتى اكتشفنا أن معنى الممانعة هو مرادف كلمة «قتل الأبرياء» فقط!!
والسؤال الذي «يبج» رأس أي مواطن في هذا البلد:هل هذه دولة تمثّل اللبنانيين أم أنها «خزمتشي» عند نظام سورية التي فجأة لم تعد «شقيقة» ولا شعبها بيننا وبينه صلات تاريخيّة، هذا الواقع سيتيح للشعب السوري وسط ما يعيشه من أحداث دموية حقيقة من يحترمه ويؤازره ويصنفه شعباً شقيقاً في لبنان، وها هو يكتشف وسط هذا الدّخان الكثيف صورة لبنان الحقيقية وما مورس عليه طوال ثلاثين عاماً!!
ألا يشبه دخان القصف العنيف المتصاعد في حماه الدخان الأسود الذي غطّى سماء الأشرفيّة في حرب المئة يوم، كان هذا جزء من يوميات اللبنانيين الدامية في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، يومها أيضاً كان العالم العربي يتفرّج على احتراق الأشرفية وتهجير أهلها ولاذ بصمت يشابه تماماً صمته إزاء ما يحدث في حماه، كأنّه هو، بل إنّه هو!!
وسط الإصرار على إراقة الدماء تذكّر رئيس حكومة لبنان ـ بحكم المصلحة الإقتصادية الشخصيّة الشراكيّة الميقاتية مع من يهتف الشعب السوري بسقوطهم ـ تذكّر دولته «خصوصية الوضع اللبناني وتميّزه»، وهذا الكلام يضعه اللبنانيون برسم الشعب السوري في هذه اللحظة المصيريّة التي يعيشها وسورية، على الأقلّ ستتيح هذه المواقف للشعب المقموع أن يعرف «أعداء» سورية الحقيقيين في لبنان، وعندما يطالب رئيس الحكومة الذين يتضامنون بالكلمة فقط مع الشعب السوري بـ «تعاطياً هادئاً وواقعياً يضع مصلحة لبنان العليا فوق كل المصالح الاخرى»، ولا تعرف هنا ماذا قصد بمعنى «واقعي»، وأين كانت مصلحة لبنان العُليا عندما كاد يتسبّب السيد حسن نصر الله بطرد آلاف اللبنانيين وقطع أرزاقهم في مملكة البحرين، عندما نصّب نفسه «محاكماً» لدولة عربية شقيقة وزجّ بأنفه في شؤونها الداخليّة، بل وبحسب دولة البحرين هو متورط عسكرياً في أحداث الفتنة في البحرين، تماماً مثلما ورّط لبنان في هزّ استقرار وأمن مصر!!
ما يحدث في سورية، لن يقرّر مصير الشعب السوري فقط، ولا سورية كدولة، بل مصير المنطقة كلّها، ومصير لبنان الدولة أيضاً، لا «الهرطقة» المسماة دولة، لأنّه طوال العقود الماضية مُنِعَ لبنان من أن يكون دولة، ولا نريد للسوريين أن ينخدعوا باللعبة السمجة التي مورست في لبنان منذ ثلاثين عاماً تحت مسمّى «الحوار الوطني» أو «الوحدة الوطنيّة»، فقد عايشناه منذ ثلاثين عاماً إنه اختراع سوري بامتياز لتضييع الوقت والاستفادة منه، وقد طبّقت هذه النظرية على لبنان حتى آخر استعادات الرئيس نبيه بري والتي نقلت مهمتها لرئيس الجمهورية سيئة الذكر «طاولة الحوار الوطني» المهجورة لرفض متابعة الحوار حول البند الرابع الذي حدّده الرئيس بري بنفسه «سلاح» حزب الله، الذي نضح لاحقاً «قدسيّة» و»قديسين»!!
ما يحدث في سورية على رغم كلّ مظاهره المحزنة إلا أنّه فرصة ينصهر فيها جوهر الشعب السوري ليخرج من محنته متخففاً من كل الأثقال التي عانى منها وصمت، وهي فرصة ليرى المشهد المتكرر في سورية بعيون اللبنانيين، فما يحدث في حماة 2 اليوم حدث في طرابلس وفي بيروت وفي الأشرفية وفي المخيمات وفي صيدا، قبل أن يحدث في حماة 1، إلا أنّ الذين لا يعتبرون من أخطائهم التي قادت إلى خروجهم من لبنان يعيدون التاريخ نفسه في حماة إلا أنّ الزمن اليوم غير الزمن والعبث بمسرح الجريمة أو إزالته أو تدميره لم تعد متوافرة في زمن الأنترنت والأقمار الصناعيّة، والذين ظنوا أنهم أكبر من أن يعاقبوا بجرائم قتل قادة الشعب اللبناني، لن يلبثوا أن يجدوا أنفسهم أمام محاكم تحاكمهم بارتكاب جرائم إبادة ضد الإنسانيّة، وضد الشعب السوري، ومن يدري اللبناني ربما!!