مسلسل حرب الإلغاء ضد الحريري 1998 ـ 2011…”المستقبل”: فبركوا 22 دعوى بحق يوسف في أسبوع وسجنوا عيتاني وسابا بأوامر “من فوق”

كتبت صحيفة "المستقبل": إنه رفيق الحريري.. الرقم الصعب.. مخربِط المعادلة التي كرّسها نظام الوصاية بتأييد الانقسام اللبناني اللبناني.. القادر على تحطيم "خطوط التماس" وإعادة وصل ما انقطع من شرايين التواصل بين اللبنانيين.. الطالع بلبنان من ساحة صراع الى حلم وطن يعود وطناً، ومن حقل ألغام تحكمه شريعة الغاب وإرادة "الوالي" الى التأسيس لدولة ومؤسسات تؤكد عودة لبنان الى الخريطة الدولية سياسياً واقتصادياً، حتى غدا واحة استقطاب للرساميل العربية ومحط ثقة واهتمام المؤسسات الدولية.. إنه رفيق الحريري المشروع السياسي.. مشروع لبنان الحر، السيد، المستقل، المواكب للعصر بشراً وحجراً، الساعي الى تنمية بشرية مستدامة وإلى دولة..

ولأنه رفيق الحريري.. الرقم الصعب في المعادلة اللبنانية بعد الطائف.. والمشروع "الخطر" على "الوالي" الحريص على تشديد القبضة على عنق الوطن الطالع من بين الرماد.. لا بد من التصدي للحريري المشروع السياسي بكل الأسلحة والأدوات لتأييد تبعية لبنان وتأييد بقائه ساحة مستباحة، لذا شرّع "الوالي" كل الأسلحة والأدوات بعد أن نجح بالتأسيس لـ"لحودية" مطواعة مطعمة بطاقم سياسيي "أمرك سيدي" ونظام أمني جاهز للمهمة.. وهو دائماً رهن الإشارة.

وتُختزل المرحلة بين العامين 1998 و2000 بممارسات "اللحودية" والطاقم والنظام الأمني، الروح الانتقامية التي كانت سائدة ضد الرئيس رفيق الحريري ومشروعه الوطني التطويري، فقد ظن هؤلاء أن لا مجال لفرملة تقدم المشروع السياسي الوطني للحريري إلا بالتهويل والترهيب والتضييق والضغط، تماثلاً مع ممارسات نظام "الوالي" فبدأوا كيل الاتهامات جزافاً. حركوا ماكينة الحقد الأسود. مارسوا الاعتقال التعسفي. فبركوا دعاوى بحق مدراء عامين وموظفين كبار خدموا الدولة والوطن والمواطنين، ذيلوها بتوقيع "المواطن الصالح" وزجوا بهم في السجن ظلماً وعدواناً في كيدية سياسية سوداء، لكن سرعان ما انقلب السحر على الساحر، وأدرك اللبنانيون أن مشروع رفيق الحريري مشروع حياة في مواجهة مشاريع الظلامية والظلام الساعية الى العودة بلبنان الى الوراء، وإلى إعادة قطع ما اتصل ليبقى لبنان طبقاً على مائدة "الوالي" وأتباعه.

"المستقبل" تستعيد حكايات ضحايا تلك المرحلة السوداء على الرغم من أن اللبنانيين لا يمكن أن ينسوا النظام الأمني الذي رمى بالمدير العام لمرفأ بيروت المهندس مهيب عيتاني في السجن سبعة أشهر في "حرب الجنازير" عبر دعوى فبركها النظام وأدواته انتقاماً ممن عطل مصالح سياسيي النظام وأوقف "التشبيح" الذي أمعنته الأيدي الممتدة على الدولة وأموالها يوم كان مديراً عاماً لمؤسسة كهرباء لبنان.

واللبنانيون لا يمكن أن ينسوا زج محافظ بيروت نقولا سابا في السجن لمدة شهرين وعشرة أيام لأنه قمع المخالفات ودكاكين المصالح الفردية ونفذ قرارات مجلس الوزراء فلفّقوا بحقه سلة اتهام بالتعدي على الأملاك البحرية عبر ملف "بيت المحترف اللبناني".

وهل ينسى اللبنانيون فضيحة الفضائح المتمثلة بـ22 دعوى مقدمة من "مواطن صالح" ضد المدير العام للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات الدكتور عبدالمنعم يوسف وسجنه سنة كاملة لأنه رفض تسويات أهل النظام الأمني وأدوات "الوالي" وسمسراتهم وصفقاتهم وعطّل مصالح أعوانهم الفاسدين والمرتشين؟

في ملف التوقيفات والملاحقات الأسود، قصص لا تنتهي كقصص الحيّات. ضغوط، ترهيب، إذلال، كسر معنويات، واختلاق أضاليل وافتراءات، يرويها متابع يومي لتلك المرحلة من فريق الرئيس رفيق الحريري: "تعرّض الموقوفون من المديرين العامين، وفي مقدمهم مهيب عيتاني، عبد المنعم يوسف، ومحافظ بيروت السابق نقولا سابا والمهندسون ماهر تميم وعبد القادر عيتاني، وحنا سليمان وعماد النوام… تعرضوا للاذلال المعنوي في السجن، حيث كانت طريقة اعتقالهم أشبه بالأفلام البوليسية لجهة استدعاء أحدهم الى الشارع بحجّة أن إطار سيارته مثقوب، أو الادعاء أن سيارته تعرضت لحادث، أو استدعاؤه الى المخفر أو النيابة العامة لسؤاله عن أمر عادي ليس له علاقة بالدعوى، فضلاً عن طريقة التفيتش التي اتّبعت بحقهم والتي لامست الآداب والأخلاق، بعدما تعرّضوا التفتيش في أماكن حساسة من أجسادهم، من سجناء كلّفهم بها ضباط وعناصر النظام الأمني السابق، في عملية ترهيب، لكسر المعنويات العالية التي كانت عند بعضهم".

ويتابع: "لقد تعرّضوا لحملة شعواء مدروسة من مسؤولين سياسيين وأمنيين حيث كانت الأوامر تأتي "من فوق" (القصر الجمهوري) وبعض الجهات الامنية، لا سيما من بعض الضباط ممن يكنّون العداء المطلق للرئيس رفيق الحريري، إذ كانت وجبات الأكل الخاصة بالمديرين العامين المعتقلين تفرز لوحدها، وتفتش تفتيشاً دقيقاً. وفي أغلب الأحيان تتعرض للإفساد بعد أن توضع لساعات في الشمس، وتمتد اليها الأصابع يمنة ويسرة مرة واثنتين وثلاثة"، ويصار الى تمريرها تحت الآلات الممغنطة، أي تعرّضها للأشعة السينية ولإشعاعات أخرى، الامر الذي يعرّض آكلها للضرر والتسمّم، خصوصاً وأن هذا الامر كان يحصل على نحو شبه يومي وليس دورياً".

ويلفت الى أن الإذلال كان "يبدأ عندما يعلم الضابط المناوب أننا جئنا لزيارة الموقوفين من المديرين العامين المذكورين، حيث يطلب الينا أن نركن السيارة على مسافة كليومتر أو أكثر من السجن وليس في الباحة الخارجية العادية، ثم تبدأ رحلة العذاب، بعدما نكون محمّلين بوجبات الطعام، فنضطّر الى السير المسافة المذكورة، حاملين كل أنواع الأكل المطلوب الذي كنا نختاره من الأصناف التي لا تفسد بسرعة، فيصل الأكل بارداً وأحياناً قد داخلته الرطوبة نتيجة عملية الانتظار والتفتيش التي نخضع لها، في حين ان بعض الموقوفين الصادرة بحقهم أحكام طويلة جداً، تمرّ وجباتهم من دون أي تفتيش أو أي تدبير أمني".

ويوضح أنه "بعد العبث بالأكل وتفتيش الارز وكل أنواع الحبوب، وبعدما نمكث نحو الساعتين، يسمح لنا بإدخال الأكل وسط عملية من الاذلال، المشروطة من الضابط المناوب ان يتمّ إدخال جزء من الوجبات وليس كل الوجبات أحياناً من دون معرفة السبب، سيما وأن الوجبات تكون بحسب عدد الموقوفين وليس اكثر". أما الاهانات الاخرى فكانت تتمحور في لقاءات المواجهة مع الموقوفين، فنُحشر بأعداد كبيرة مع بعضنا في غرفة معزولة بيننا حاجز من الشباك حديدية، ويبدأ العنصر المولج بالصراخ علينا عند وصول الموقوف "بسرعة.. بسرعة"، في الوقت الذي كان غيرنا يغازل ويمازح… فتخرج من المحادثة من دون أن تفهم شيئاً أو توصل ما تريد من السلام والكلام".

ويختم: "أنا لا أخفي أن عدداً من الضباط والعناصر المولجين حماية السجن أبدوا تعاطفهم معنا أكثر من مرة، لكنهم كانوا يخشون التعرّض لأي عقوبات لأن الأوامر كانت صارمة باتجاه الموقوفين المذكورين، وصرّحوا بذلك مرات عدة، وكان البعض يقول لنا: "كلنا فداء للرئيس الحريري"، الذي كان له مكانة خاصة بين صغار العناصر الأمنية وكبارهم. من هنا نسجنا علاقة ود بعد اشهر من الاعتقال، لكن الامر في النهاية بقي تحت سلطة أوامر الحاقدين على الرئيس الحريري وأزلامهم، الى أن جاء الفرج وبان الحق من الباطل وأفرج عن الموقوفين، بعدما أصدر القضاء حكم البراءة، وتبيّن ان المسألة لم تدخل إلا في الحسابات الكيدية السياسية والحقد ضد الرئيس رفيق الحريري ومشروعه السياسي".

عيتاني و"حرب" الجنازير

يشهد القاصي والداني أن المهندس مهيب عيتاني الذي كلّفه الرئيس الحريري المهمة الصعبة في مؤسسة كهرباء لبنان يوم عيّن مديراً عاماً للمؤسسة، أوصل الكهرباء الى كل قرية ودسكرة من أقاصي الجنوب الى أقاصي الشمال، ولأنه أراد من المؤسسة ان توصل النور الى كل الناس وأن لا تبقى غارقة في كهف السمسرات المظلم وفي دهاليز التعديات رفع شعار تطبيق القانون على الجميع والتصدّي لـ"التشبيح" الذي أمعنته الأيدي المتطاولة على الدولة ومؤسساتها وأموالها فبدأ بالوزارات والإدارات العامة مطالباً بدفع ما يترتب عليها لمؤسسة كهرباء لبنان تمهيداً لتطبيق القانون على المؤسسات الخاصة والأفراد في كل المناطق.

ولأن هذا المسار هدّد الأيدي المتطاولة. ولأن عيتاني نفّذ سياسة رفيق الحريري في وضع المؤسسات في خدمة الناس، كان لا بد من محاسبته وهذا ما حصل عندما دافع عن حق الدولة والناس يوم كان مديراً عاماً لمرفأ بيروت فتصدى للسمسرات وواجهوه بتلفيق التهم وبملف الجنزير، تصفية لحساب قديم ومتجدد.

فقد ادّعت شركة "ساروموليم" على الرئيس المدير العام لمرفأ بيروت المهندس مهيب عيتاني بتهمة سرقة جنزير ومخالفة قرار قضائي وإهدار مال عام واستغلال نفوذ.

وذكرت الشركة في ادعائها: "لقد انجزنا رفع الحطام البحري والانقاض الغارقة في احواض المرفأ بموجب اتفاقية بين الطرفين تم فسخها من قبل ادارة مرفأ بيروت، ولم يتبق سوى القليل منها كناية عن جزء من حطام الباخرة بعلبك، وان المسؤولة بالمال ادارة استثمار مرفأ بيروت ممثلة بمديرها العام رفضت تمديد مهلة التنفيذ بما يتناسب مع حجم الاشغال الفعلية، وانه استولى عبر المتعهد هاروتيون صوفويان على معدات التربيط العائدة لها من كابلات وجنازير وأقفال بحرية وكليبسات ومضخة مياه عنوة وبالقوة. وأقدم عيتاني وصوفويان على مخالفة القرارات بشأن صيانة ملكيتها للمعدات، وأدلت الشركة بوجوب إدانة صوفويان بجرم المادتين 636 و423 عقوبات لثبوت أركانهما بحقه، وإدانة عيتاني بهذين الجرمين معطوفين على المادة 220 عقوبات وبوجوب إلزامهما والمسؤولة بالتكافل والتضامن في ما بينهم بالتعويض عليها بمبلغ ستمائة الف دولار اميركي كعطل وضرر والتعويض عن قيمة المعدات المدعى سرقتها".

وبناء على هذه الدعوى تم توقيف مهيب عيتاني 7 اشهر، في سجن رومية، كانت مناسبة وكافية لتنظيمه دورة في اللغة الانكليزية للمساجين، فضلاً عن تحضير صف دراسي لهم في المواد العلمية، حتى ان بعضهم طلب منه ان يتعلم قواعد الحساب والجبر والفيزياء.

وبقي عيتاني يتنقل بصبر مجبول بعزيمة البريء بين مدعٍ عام وآخر، حيث كانت التحقيقات تلازمه حتى داخل السجن، في ممارسة لا تمتّ الى القضاء بشيء، الى أن أيقن القضاء أن كل ما اقترفه عيتاني انه اراد تطبيق القانون وعدم الرد على اي من المسؤولين الذين ارادوا مخالفة القوانين والعبث بالممتلكات العامة.

فانتفض بعدها القضاء على المحاولات البائسة لاستخدامه وسيلة كيدية لتصفية حسابات سياسية، فصادقت محكمة الاستئناف في بيروت برئاسة القاضي جميل بيرم على حكم براءة عيتاني في الدعوى التي اقامتها "ساروموليم" ضده وضد المتعهد صوفويان المتعلقة بسرقة جنازير لها. وقضى الاستئناف بتصديق الحكم الذي اصدره القاضي المنفرد الجزائي في بيروت مازن تاج الدين في 2/11/2001 ببراءتهما ورد تالياً استئناف المدعية "ساروموليم" باعتبارها سيئة النية في الادعاء.

سابا.. نفّذ قرار مجلس الوزراء فسجن

ولأن محافظ بيروت نقولا سابا صنّف من عداد فريق الرئيس رفيق الحريري، ولأنه لا يأتمر إلا بالقرارات الرسمية وما يقول القانون، ولأن أركان النظام الأمني وزبانيتهم رأوا فيه معطلاً لمصالحهم وصفقاتهم، كان لا بد من "فبركة" قضية تنتقم منه ومن رفيق الحريري، ففبرك المحترفون قضية "بيت المحترف".

أما القصة التي "حبكوها"، فيسلّط الضوء على حيثياتها ويدحضها بالأرقام والتواريخ، أحد متابعي الملف في تلك الحقبة، ويقول لـ"المستقبل": "تملك بلدية بيروت العقار رقم 67 منطقة عين المريسة، البالغة مساحته 1015 متراً مربعاً، وهو مصاب بكامله بتخطيط مصدّق بموجب المرسوم رقم 6285/1954. وخلال العام 1963 تم إنشاء "بيت المحترف اللبناني" على العقار بالاستناد إلى قانون الاستملاك الذي يسمح بإنشاء أبنية موقتة على العقارات المصابة بارتفاقات عدم البناء بعد أن اعتمدت الهياكل المعدنية في البناء، وقد تضمنت هذه الإنشاءات تعدّياً على الأملاك العامة البحرية والأملاك الخاصة البلدية وقد كلفت مصلحة الانعاش الاجتماعي في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية إدارة بيت المحترف والمراكز التابعة له بموجب المرسوم رقم 10353/69، وعلى اثر الأحداث الأليمة التي عصفت بالبلاد اعتباراً من 13/10/93 صدر المرسوم رقم 4039 وبموجبه وضع العقار رقم 67 عين المريسة بتصرف وزارة الشؤون الاجتماعية.

وتبين ان شركة كابيتال رستورانت ش.م.ل. والتي يرأس مجلس إدارتها ويوقّع عنها منفرداً، ويمثّلها قانوناً المدعى عليه بشارة نمور، تقدمت باستدعاء إلى وزارة الشؤون الاجتماعية تعرض فيه استعدادها لإعادة تأهيل بيت المحترف اللبناني عن طريق BOT وبعد مشاورات مع الوزارة المذكورة تم توقيع اتفاق مبدئي بين الوزارة وبين الشركة تضمن الاجازة للشركة باستثمار جزء من بيت المحترف اللبناني كمطعم على أن تتحمّل الشركة المستثمرة نفقات الدراسات والتصاميم وأعمال الترميم والإضافة والتجهيز والصيانة لكامل الأشغال بما فيها الاتفاق من قبل المرجع المختص شرط ان تكون وزارة الشؤون قد أمّنت للشركة التراخيص القانونية اللازمة لتتمكن من البدء بالأشغال، وقد أخذت الوزارة على عاتقها تلبية جميع الشروط الواجب توفيرها للاستحصال على التراخيص المطلوبة لتنفيذ الأشغال واستثمار المطعم وفقاً للأصول وقد حددت مدة الاتفاقية بخمس وعشرين سنة من تاريخ انتهاء الأعمال.

وبتاريخ 3/4/1997 وجّهت وزارة الشؤون إلى مجلس الوزراء الكتاب رقم 211/ص1 المتضمن الاتفاق بينها وبين الشركة للمصادقة عليه، وبالفعل قرّر مجلس الوزراء الموافقة على الاتفاق بقراره رقم 6 تاريخ 30/4/1997.

وبعد موافقة مجلس الوزراء على الاتفاق وعملاً بالمادة 15 منه التي تضع على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية مهمة الحصول على التراخيص القانونية اللازمة لجهة الإضافات على العقار، تقدمت وزارة الشؤون من المدّعى عليه نقولا سابا بوصفه محافظاً لمدينة بيروت بطلب للحصول على رخصة والذي أحاله على دائرة المباني في المحافظة التي وضعت ملاحظاتها، ومنها أن الطلب يحتاج إلى موافقة المجلس البلدي لأن قسماً من الإضافة المطلوبة يقع ضمن الأملاك العامة البلدية كما يحتاج إلى موافقة وزارة الأشغال العامة لأن قسماً آخر من الإضافة يقع ضمن الأملاك البحرية. وبالفعل قام سابا بعرض الأمر على المجلس البلدي وعلى مدير عام النقل.
وقد أنكر سابا كل ما أسند إليه مفيداً انه اعطى الترخيص بالاستناد الى قرار مجلس الوزراء والى المرسوم رقم 11435 والى قرار المجلس البلدي لبلدية بيروت إلخ…

كما أنكر نمور ما أسند إليه خصوصاً وأن بعض مواد الاسناد لا تنطبق عليه لأنه ليس موظفاً.

وتبين ان النيابة العامة طلبت في مطالعتها بالاساس الظن بشركة "كابيتال رستورانت" مع ان هذه الشركة لم تكن مدعى عليها. وهكذا خرج نقولا سابا بريئاً من الاتهامات.

يوسف وتقارير "المواطن الصالح"

"أم الفضائح" بين عامي 1998 و2000، كانت قضية المدير العام للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات الدكتور عبدالمنعم يوسف، حيث عمل النظام الأمني على فبركة 22 دعوى تقدم بها "المواطن الصالح" ضده، لأنه كان موظفاً مثالياً، فدفع ثمن تفانيه، وأهين بسبب مواقفه والحفاظ على حق الدولة. كان يرفض التسويات في قطاع مليء بها. كان يرفض السمسرات في مكان تُبرم فيه أكبر الصفقات وأعلاها مع كبريات الشركات والمشغلات.

ومن أبرز فبركات النظام الأمني السابق قصة هروب يوسف، حيث بدأ إعلام النظام حينها بإطلاق شائعة تحت عنوان "ليلة القبض على عبدالمنعم". وجاء في "الفبركة" أنه كان يلبس زياً هندياً أراد به الهرب من مرفأ طرابلس، والحقيقة أنه استدعي الى أحد مخافر مدينة طرابلس وتم اعتقاله وسجنه.

لقد فوّض الرئيس رفيق الحريري لعبدالمنعم يوسف صلاحياته عندما شغل حقيبة وزارة الاتصالات في أواخر العام 1996 نظراً الى خبرته وقدراته، واعتبره من الجيل المؤسس للدولة العصرية التي لطالما كانت حلم الرئيس الشهيد.

شهدت له جولات "المفاوضات الخلوية" في مراحلها الأولى، وكان على يقين أن الدولة ستصل الى النتيجة التي وصلت إليها مع الشركتين المشغلتين السابقتين (ليبانسل وسيلس) نتيجة السياسات الخاطئة المبنية على الحقد والكيدية في القطاع.

لم يَرُق هذا الجهد للنظام الأمني، فحيكت حوله الحيل والتهم تباعاً الى أن وصلت خلال أسبوع واحد الى 22 دعوى في القضاء العادي والقضاء الإداري، وحركت الأجهزة الرقابية من التفتيش المركزي الى الهيئة العليا للتأديب وديوان المحاسبة لتحاكم جميعها عبدالمنعم يوسف. فكان أن خاض يوسف في العام 1999 أشرس حملة دفاع عن نفسه ضد تهم ساقها ضده النظام الأمني اللبناني السوري، وقد نال، بعد 11 شهر سجن، براءة في كل الملفات التي فتحت بوجهه. لكن لم يحاسَب أحد ولم يعوِّض أحد عليه وشرّدت عائلته، وجال والداه على المسؤولين الكبار عارضين ظلامته، حتى خرج بعد 11 شهراً بريئاً. وبعد ذلك، أعاد مجلس الوزراء برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة آنذاك، والوزير مروان حمادة، تعيين عبدالمنعم يوسف في منصبه من جديد، لإعادة الحق الى أصحابه والتعويض المعنوي على الأقل. وتسلم يوسف القطاع من جديد في العام 2005 وبدأ بإعادة تطويره وتحريره، بعدما تجمّد وتراجع لأكثر من ثماني سنوات. ومن أدرى من المدير العام المعني بخفايا الوزارة و"أوجيرو" وتركيبتها البشرية واللوجستية الممتدة والمتشعبة في شرايين البلد وزواريبه؟

وجاء في أحد الأحكام أن كل الادعاءات التي سيقت ضد بحق يوسف كانت مزيفة، خصوصاً لانتفاء الدليل ورد جميع الدعاوى الشخصية وجميع المطالب والأقوال المخالفة أو الزائدة وتعليق جميع الرسوم والنفقات.

ولم يكتف النظام الأمني من الفبركات أمام القضاء العادي بل انطلق نحو القضاء الإداري في الهيئة العليا للتأديب حيث برّئ من كل تلك الدعاوى.

وعملية الصراع التي بدأها عبد المنعم يوسف بين الحق والباطل لها طعم آخر، لا سيما عندما أراد النظام الامني والسياسي إخضاعه لعملية ابتزاز من أجل البقاء في الوزارة شرط كشف وفبركة خفايا يعرفها في قطاع الاتصالات عن ملف يستطيع هذا النظام أن يطال من خلاله الرئيس رفيق الحريري الذي فوّض صلاحياته ليوسف في حقبة تسلّمه حقيبة الاتصالات.

ويقول أحد المتابعين للقضية عن كثب، إنه "بعدما رفض يوسف اكثر من مرة طريقة الترغيب في التعاطي مع هذا الملف بدأت عملية الترهيب من خلال اختلاق قصص وروايات قادها أحد الوزراء ومسؤولان كبيران في الدولة، فضلاً عن بعض المسؤولين الامنيين والاداريين والهدف من كل ذلك ازاحة يوسف لأنه كان الرقم الصعب في المعادلة القائمة ومشرفاً على أخطر ملف في الدولة اللبنانية هو ملف الاتصالات وفيه طبعاً ملف الخلوي.

وعندها قام أحد الضباط الامنيين، الذي كان يشغل منصباً امنياً كبيراً، وهو مقرب من مرجع كبير آنذاك، بالطلب من الوزير المعني ضرورة تعيين احد الاشخاص (م. ع .ط) كمستشار عنده. والمعروف ان هذا الرجل لا يفقه بالاتصالات الا من باب التجارة والتعاطي مع أجهزة النظام الأمني، وليس لديه الحد الادنى من المعرفة العلمية الاكاديمية والعملية، وكان لهذا الرجل الدور الابرز في الدعاوى التي اقيمت ضد يوسف، وتبيّن أنه هو من تقدّم بدعاوى "المواطن الصالح".

ومن الاحداث التي لا تنتسى ان المستشار (م. ع. ط) حاول مرة ادخال اجهزة لاسكلية لشركته الخاصة الآتية من احد البلدان الاجنبية استطاع ان يزيل بيانها الجمركي بتوقيع الوزير المعني، وعندما وصل الامر الى الموظفة المسؤولة تبين ان تلاعباً في بيانات الجمرك قد حصل حيث خفّضت قيمة البضاعة المذكورة من 136 الف دولار الى 36 ألفاً، فلاحظت الموظفة ذلك لكونها مهندسة متخصّصة في المجال، فأبلغت مديرها المباشر الدكتور يوسف الذي رفض التوقيع على البيان وأعاد المعاملة من حيث أتت، فردّ المستشار "انا سأدفّعه ثمن ذلك".

وعندما تصدّى يوسف لممارسات الاخير وشريكه الامني، تلاقت مصالح السياسيين في النظام الأمني آنذاك على ضرورة إزاحته حيث تكاثرت الشكاوى من اكثر من مسؤول في تلك الحقبة لوقوفه حجر عثرة امام تمرير مصالحهم، وعمدوا الى ازاحته بالطريقة الامنية التي اتّبعوها باختلاق فبركات الهرب والروايات التي هي اشبه بالاساطير، وعيّنوا مكانه احد المقربين من أحد السياسيين البارزين الذي عمد الى ملاحقة المديرين العامين.

ولكن، كيف سيق يوسف الى سجن الميناء في طرابلس؟ ومن أطلق شائعة أنه كان هارباً في زي رجل هندي على باخرة باكستانية الى فرنسا، كونه يحمل الجنسية الفرنسية؟

الحقيقة أن يوسف الذي كان وعائلته (زوجته وبناته الثلاث) في منزله في منطقة القبة بطرابلس، وقد اتصل به أحد الضباط معرّفاً عن نفسه وطالباً إليه أن يحضر الى مخفر الميناء لأن دعوى قضائية قدمت ضده من أحد "المواطنين الصالحين". وكان يوسف يهمّ بالخروج من المنزل مع عائلته، ولكن بعد الاتصال طلب من عائلته التريث والانتظار ليعود اليهم بعد أن يكون التقى الضابط ويعرف ما يريده.

وفي طريقه الى المخفر المذكور اعترضته سيارتان امنيتان وأمره من بداخلهما اللحاق بهم، وعند وصوله الى المخفر لم يُسأل اي سؤال انما طُلب إليه أن يسحب حزام بنطاله وربطة العنق وشريط الحذاء، وقالوا له انت موقوف بدعوى من "المواطن الصالح". فسأل "من هو المواطن الصالح؟"، فقال له الضابط المناوب "لا نعرف، هذه أوامر"، وأودع النظارة في مخفر الميناء ثم سيق الى سجن رومية. وبدأت بعض وسائل الاعلام المرتبطة بالنظام الامني اذاعة خبر إلقاء القبض على عبد المنعم يوسف أثناء محاولته الهرب من ميناء طرابلس على ظهر باخرة باكستانية محمّلة بالمواشي الى فرنسا. فتبيّن أن وراء هذا الادعاء المفبرك احد المسؤولين الامنيين آنذاك.

أودع يوسف غرفة صغيرة لفترة زمنية محددة، ثم نقل الى ما يسمى القاووش حيث كان فيه اكثر من عشرة اشخاص من كل المحكوميات، فما كان منه الا التأقلم وبدأ عملية تعليم السجناء الأميين القراءة والكتابة، واللغة الفرنسية للراغبين، لكن حالات الاذلال الجدية كانت عند سوقه الى التحقيقات والمحاكمة، فكانت معظم الاسئلة تتركز في الدعاوى 22 التي هي اصلاً مفبركة، حول علاقته بالرئيس رفيق الحريري وما اذا كان هو الذي أعطاه الأوامر في أي من المواضيع الملاحق بها، حتى وصل الحال بأحد القضاة الى ترغيبه بقول ما ليس بحقيقة وان للحريري علاقة مباشرة بملف الاتصالات ويتم الافراج عنه بعد مدة وجيزة. لكنه رفض وقال "هذا افتراء وكذب".

ومن الدعاوى الـ22 واحدة تقدّم بها أحد النواب الذي سبق وطلب من يوسف عندما كان في الوزارة ان يعطيه رخصة لشقيقه تتجاوز سعة حزماتها 260 ميغاوات، أي أضعاف مضاعفة لما هو مسموح في الرخص العادية التي كانت تعطى الى التجار العاديين، فأراد احتكار السوق في منطقته، وعندما رفض يوسف الطلب كال بحقه الشتائم والسباب، وادّعى عليه بعدما استغلّه أعوان النظام الامني وزوّدوه بمعلومات ان يوسف كان يستأجر سيارات على حساب الدولة للاستجمام (دعوى هلا كار)، وهي في الحقيقة كانت سيارات استأجرتها وزارة الاتصالات وليس يوسف لدى استضافة لبنان مؤتمر الاتحاد الدولي للاتصالات الذي عقد في "البريستول" عام 1996 وحضره ممثّلون عن اكثر من 126 دولة عربية واجنبية.

ولا ننسى كيف كانت زوجة يوسف، دانيا، تتعرّض للاذلال عند كل زيارة له في السجن، بعدما ارسلت عائلتها الى باريس (عند شقيقه) وبدأت رحلة العذاب معه، فزارت كل المسؤولين اللبنانيين آنذاك برفقة ابويه العجوزين اللذين توفيا بعد خروجه من السجن بفترة وجيزة. وكان يقف معها مسؤول امني او عدد كبير من رواد السجن عند تحدثها إليه في واجهة مغطّاة بالاسلاك. وكيف أن عائلته تعرضت في كل مكان تواجدت فيه للمساءلة عما اذا كان الدكتور يوسف مرتكبا او غير مرتكب، فضلا عن رواية الهرب الشهيرة التي انطلقت احدى محطات التلفزة التي كانت تأتمر بأوامر النظام الامني بمقدمة اخبارها تحت عنوان: "ليلة القبض على عبد المنعم يوسف. وفي النهاية بانت الحقيقة وأسقط القضاء اللبناني الدعاوى الاثنتين والعشرين بحقه بعد عشرة اشهر من التوقيف الاحترازي وخرج من دعاويه بريئا، لكنه عليل من جراء الرطوبة التي تعرض لها حيث يعاني مما يسمى بالروماتيزم في الرجلين ويحتاج الى علاج دوري. وهو لا ينسى ان يقدم الشكر والفضل في متابعة ملفه الى المحامي منيف حمدان الذي كان مقتنعا ببراءته منذ البداية وقرر ان يتكلف من دون اي مقابل بعدما قرأ الظلامة التي لحقت به والتي تعتبر فضيحة العصر".

الحقد والكيد.. بين الأمس واليوم

إن الحقبة الحاقدة التي اخذت عنوان "الكيد من تاريخ لبنان" ارادت النيل من كل من له علاقة بمشروع رفيق الحريري، لو قدّر لها ذلك، فقد هدد دعاتها بسجن الرئيس فؤاد السنيورة والوزراء السابقين عمر مسقاوي، هاغوب دمرجيان، الفضل شلق وباسم السبع، وسجنوا عماد النوام (5 اشهر) وحنا سليمان (3 اشهر) وعبد القادر عيتاني (5 اشهر) ومحمد سهيل يموت الذي فضّل المنفى على الظلم والكيد، ويوسف النقيب.

لقد اخذ الشطط بترهيب عشرات الآلاف من الموظفين والأجراء والمستخدمين والمتعاقدين في قطاعات الدولة وحتى بعض مؤسسات القطاع الخاص بمحاسبتهم لميولهم السياسية حيث لا ترقيات الا بالتعامل. وصوّبوا عليهم الاجهزة الرقابية للمحاسبة من خلال تقارير مزيفة ومفبركة، وأضحى الموظف المؤيد لخط الرئيس الحريري عرضة للاستهداف. وبات يحاسب على اقل ذنب يقترفه، مثل التحويل على التفتيش في حال تأخر ربع ساعة عن العمل، او توجيه انذار في حال غاب لطارئ صحي من دون أن يُحضر تقريرا طبيا في اليوم عينه…

ان الكيدية السياسية هي ثبات ومبدأ عمل النظام الامني السابق، وإن التلويح بها مجدداً، لا يبدو بعيدا عن ممارسة الحكومة الميقاتية، ويسأل اللبنانيون انفسهم عما يمكن ان ينتظرهم من اعوان "الحزب الحاكم"، وهم باتوا اكثر اقتناعاً بأن الوقت سائر باتجاه تعميم دويلة "القمصان السود" على حساب بناء مؤسسات الدولة وفي طليعتها القضاء الذي يفترض المواطن انه سيجد الحماية في اروقته وتحت قوسه.

وما اشبه اليوم بالامس، بعدما افاض اكثر من مسؤول في الاكثرية الجديدة من معين كيده وحقده متوعداً بقطع تذاكر "وان واي تيكت"(تصريح رئيس تكتل "الاصلاح والتغيير" النائب ميشال عون)، أو بتبشير يوسف بالملاحقة والسجن وبث الشائعات عبر وسائل إعلامه بأنه اعتقل، او بما افاض به الوزير شربل نحاس حينها بتوعده لعبد المنعم يوسف بالسجن، مبشّراً اللبنانيين بأن المقبل من ايام حكومة "الانقلاب الاسود" لن يكون سوى عهد الكيدية السياسية القائمة على التشفي من الاكفّاء وتحديدا من الذين نوّهت بهم المؤسسات الرقابية.

ان الحملات المبرمجة التي يشنها اركان الحكومة إياها الذين يتكل عليهم الرئيس ميقاتي، بدءاً بمن كان في حديقة السيوفي، ليست مستغربة على من فقد صوابه بلا سبب وسمح لنفسه، ومن حقده الدفين، ان يتطاول على رئيس مجلس الوزراء آنذاك، فضلاً عن التهجم المبرمج على وزيرة المال السابقة ريا الحسن، والمدير العام لقوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي ورئيس فرع المعلومات العقيد وسام الحسن اللذين يقر لهما القاصي والداني بالانجازات الامنية التي حققاها على المستويين القومي والوطني.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل