#adsense

“‬حاولتُ‮ ‬في‮ ‬رسالتي‮ ‬توريط الرئيس وشقّ‮ ‬البعث ويبدو انه انشق‮”‬… أدونيس لـ‮”‬الراي‮”: ‬الاستقالة أقلّ‮ ‬ما‮ ‬يمكن ان‮ ‬يفعله الاسد‮

حجم الخط

كتبت ريتا فرج‮ في صحيفة "الراي" الكويتيّة:

لا‮ ‬يحتاج ادونيس الى بطاقة تعريف،‮ ‬هويته تدل على أكثر من معنى،‮ ‬لأنها مشاكسة،‮ ‬مثيرة للتساؤلات،‮ ‬ولأن صاحبها اختار السير عكس التيار. ‬ ليس صدفة أن‮ ‬يتخطى الشاعر السجالي‮ ‬الفضاء العربي‮ ‬ويصل بهويته المتعددة الى قطف جوائز عالمية كان آخرها‮ "‬جائزة‮ ‬غوته‮".

‬أدونيس عشق شعره حتى الثمالة،‮ ‬فابتكر،‮ ‬وحفر في‮ ‬لغته المليئة بالرموز‮. ‬انه في‮ ‬قصائده كمن‮ ‬يسلك مسالك المتصوفين،‮ ‬الذين حطموا الطقوس والعادات‮. ‬منذ زمن،‮ ‬اختار المنفى باحثاً‮ ‬عن حرية منشودة في‮ ‬العواصم الكبرى،‮ ‬ويبدو أن بيروت كانت له محطة ثانية بعد باريس.

انتظر كثيرون من صاحب الاطروحة الشهيرة‮ "‬الثابت والمتحول‮" ‬أن‮ ‬يدلي‮ ‬برأيه في‮ ‬زمن الجرح السوري،‮ ‬وتساءلوا لماذا آثر علي‮ ‬أحمد سعيد الصمت‮. ‬وما ان نشر أدونيس مقاله الأول في‮ ‬صحيفة السفيراللبنانية‮ "‬رسالة‮ ‬مفتوحة إلى الرئيس بشار الأسد الإنسان،‮ ‬حقوقه وحرياته،‮ ‬أو الهاوية‮" ‬حتى أثار كعادته زوابع من الردود بين مؤيد ومعترض.

لم‮ ‬يحضر ربيع سورية أو‮ "‬التمرد‮" ‬كما‮ ‬يسميه أدونيس في‮ ‬صلب أفكاره مباشرة،‮ ‬إذ بدت له‮ "‬الملحمة الدمشقية‮" ‬أبعد من تسجيل المواقف ومناصرة الثوار‮. ‬الثورة عنده تبدأ بتغيير المفاهيم العميقة وليس الاكتفاء بإسقاط النظام،‮ ‬وهنا نجده‮ ‬ينتقد بشدة‮ "‬المعارضات‮" ‬السورية لأنها حتى اللحظة لم توضح للرأي‮ ‬العام ماذا تريد،‮ ‬مؤكدا أنها تتحدث عن المجتمع المدني‮ ‬والتعددية والديموقراطية من دون أن تحدد موقفها من الفصل بين الديني‮ ‬والسياسي.

رسالته الى الرئيس السوري‮ ‬حملت في‮ ‬طياتها معاني‮ ‬متشعبة وتمحورت حول معطيين أساسيين‮: ‬الحرية وحقوق الانسان‮. أدونيس‮ ‬يعلم بعين الرائي‮ ‬أن الارث ثقيل ويحتاج الى تفكيك،‮ ‬وهو شديد الاصرار على ضرورة الفصل بين الديني‮ ‬والسياسي،‮ ‬علما ان حزب البعث في‮ ‬تجربته التاريخية لم‮ ‬يغير في‮ ‬رأيه هذا المزج الحاد بل على العكس تماهى مع منهجه وأدواته وشروطه‮.

من أين البدء مع أدونيس؟ من الترات أو الاصلاح أو‮ "‬الجرح‮" ‬السوري‮ ‬أو المأزق التاريخي‮ ‬للديموقراطية في‮ ‬الصحارى العربية أو موقع المعارضة السورية وغاياتها واهدافها؟ كل هذه النقاط وغيرها تطرقت اليها‮ "‬الراي‮" الكويتية ‬في‮ ‬حوار مع ادونيس تنشره غداً وفي ما يأتي وقائعه‮:

* ‬في‮ ‬مقالك‮ "‬رسالة مفتوحة الى الرئيس بشار الأسد‮" ‬خلصتَ الى أن العرب لم‮ ‬يعرفوا الديموقراطية على المستوى السياسي‮ ‬لا في‮ ‬تاريخهم القديم ولا في‮ ‬تاريخهم الحديث‮. ‬ما الذي‮ ‬يمنع تطبيق الديموقراطية في‮ ‬العالم العربي؟‮ ـ أولاً،‮ ‬مفهوم الديموقراطية حديث والدولة العربية الأولى نشأت قبل نشوء الديموقراطية،‮ ‬هناك تفاوت تاريخي‮ ‬كبير‮. ‬ثانياً،‮ ‬نشأت الدولة العربية في‮ ‬اطار ايماني‮ ‬في‮ ‬اطار رسالة معينة،‮ ‬ولذلك تبلورت داخل نظام خاص فيها،‮ ‬نظرياً‮ ‬كان اسمه الشورى ولكن تطبيقياً‮ ‬لم تكن الشورى قائمة إلاّ‮ ‬أحياناً‮ ‬في‮ ‬اطار التشاور بين القبائل،‮ ‬ولم تتم على مستوى المؤسسات والأفراد كما‮ ‬يحصل اليوم في‮ ‬الاطار الديموقراطي‮. ‬النقطة الثالثة أن الديموقراطية تطاول الفرد بينما التركيز في‮ ‬الاسلام هو على الأمة،‮ ‬الفرد‮ ‬غير موجود إلاّ‮ ‬بوصفه عضوا في‮ ‬الأمة،‮ ‬لذلك لا‮ ‬يعني‮ ‬المفهوم الديموقراطي‮ ‬شيئاً‮ ‬كبيراً‮ ‬بالنسبة الى الاسلام لأن مفهوم الفرد‮ ‬يعني‮ ‬الشخصية الحرة‮. ‬هذا لا‮ ‬يعني‮ ‬على الاطلاق عدم إمكان نشوء الديموقراطية في‮ ‬المجتمع الاسلامي‮ ‬العربي،‮ ‬لكنه‮ ‬يعني‮ ‬أنه لا بد من إزالة كل ما‮ ‬يعوق نشوء الفرد كفرد لا‮ ‬ينتمي‮ ‬الى دين ولا الى طائفة بل الى المجتمع‮. ‬ولكن السؤال هل نقدر على ذلك؟ هذا‮ ‬يحتاج الى نضال طويل،‮ ‬نحن العرب دائماً‮ ‬مستعجلون على كل شيء وليس لدينا الصبر على النضال ولا على ألم النضال،‮ ‬لذلك نسمي‮ ‬الأشياء كما نشاء‮. ‬نحن نستسهل الأسماء والمسميات،‮ ‬شخص‮ ‬يكتب مقالاً‮ ‬فلسفياً‮ ‬نسميه فوراً‮ ‬فيلسوفاً،‮ ‬لا نحترم المفهومات والتسميات‮. ‬الخلاصة أن الدول العربية الاسلامية لم تعرف الديموقراطية.

* أشرتَ الى ضرورة الفصل بين الديني‮ ‬والسياسي‮. ‬بعد دراستك للتراث هل الإسلام قادر على إحداث القطيعة بين الإلهي‮ ‬والدنيوي؟‮ ـ اليوم‮ ‬يمكن الحديث عن إسلامات عدة،‮ ‬أي‮ ‬نظريات عدة عن الإسلام‮. ‬رغم سيطرة الإسلام الرسمي‮ ‬السني،‮ ‬لم‮ ‬يعد هناك مفهوم واحد‮ ‬يتحدث عن إسلام واحد والباقي‮ ‬كفار،‮ ‬صار هناك اسلام سني‮ ‬واسلام متنور ومتعدد،‮ ‬ومن المستحيل ايجاد مرجعية مطلقة لهذا الاسلام المتعدد،‮ ‬حتى لو كان الأزهر،‮ ‬ورغم أن الأزهر له مرجعيته،‮ ‬فان بعض المسلمين‮ ‬يرفضونه‮. ‬إذا استطاع المسلمون التعرف على التحولات الجارية في‮ ‬العالم الحديث،‮ ‬وهذه التحولات أدت الى انقلابات هائلة،‮ ‬يمكنهم تحديث كل شيء في‮ ‬الفن والسياسة والتنمية،‮ ‬وبالتالي‮ ‬يمكنهم أن‮ ‬يصبحوا مواطنين‮ ‬ينتمون الى هذا العالم،‮ ‬أكثر مما هم مواطنون‮ ‬ينتمون الى القرن الاول هجري‮ ‬وفي‮ ‬اسوأ تقدير هم مواطنون ايمانياً‮ ‬في‮ ‬القرن العشرين‮. ‬هذا الايمان‮ ‬يطبقه المسلم في‮ ‬موازاة استخدامه لوسائل الحياة الحديثة،‮ ‬وهذا ما نلحظه في‮ ‬مجتمعات عربية عديدة من بينها مدينة دبي،‮ ‬فهي‮ ‬تأخذ من الغرب كل ادواته وإن أبقت وضعها الايماني‮ ‬القديم،‮ ‬فيما المطلوب تعزيز الانتماءات الى المجتمع والى السياقات الثقافية والحياتية في‮ ‬العالم‮.‬

‮*‬ ما تقدمتَ به‮ ‬يحيلنا على نظرية ولي‮ ‬نصر التي‮ ‬تقول أن الطبقة الوسطى في‮ ‬العالم العربي‮ ‬المفتوحة بدورها على اقتصاد السوق‮ ‬يمكنها التخفيف من حدة الإسلام المتشدد،‮ ‬وقد اتخذ نصر من امارة دبي‮ ‬نموذجا لتوضيح نظريته. ما رأيك؟‮‬ ـ في‮ ‬الواقع أنا لا أعول كثيراً‮ ‬على مفهوم الطبقات في‮ ‬دراسة المجتمعات الإسلامية،‮ ‬أي‮ ‬طبقة وسطى في‮ ‬العالم العربي‮ ‬يمكن أن تكون متسامحة ومنفتحة ويمكن أن تتقبل أشياء،‮ ‬وتستفيد من مختلف انجازات الحضارة الغربية‮. ‬التمسك بالايمان الديني‮ ‬قد لا‮ ‬يختلف على مستوى الدرجة بين طبقة‮ ‬وأخرى،‮ ‬أما في‮ ‬النوع بمعنى العلاقة مع الاسلام،‮ ‬فليس هناك أي‮ ‬تحول ملحوظ،‮ ‬العامل قد‮ ‬يكون أكثر ايماناً‮ ‬بالدين من رب العمل او العكس تماماً‮. ‬يمكن المسلمين أن‮ ‬يخلقوا مجتمعاً‮ ‬انسانياً‮ ‬قائماً‮ ‬على الفصل الكامل بين الدين والدولة،‮ ‬وفي‮ ‬رأيي‮ ‬أن استخدام الدين سياسياً‮ ‬يمثل ذروة العنف،‮ ‬وهذا العنف ليس ضد الآخر‮ ‬غير المسلم فقط بل ايضاً‮ ‬ضد المسلمين أنفسهم،‮ ‬لأن هناك مسلمين لم‮ ‬يعودوا مؤمنين وهناك مسلمين‮ ‬يرفضون فكرة الايمان الديني‮. ‬عندما‮ ‬يحصل الفصل بين الدين والدولة على كل المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية بحيث‮ ‬يصبح الفرد حراً‮ ‬ومرتبطاً‮ ‬بالمجتمع لا بالدين،‮ ‬عندها‮ ‬يمكن الحديث عن نشوء الديموقراطية والدولة الحديثة‮. ‬العبارات المطاطة اليوم في‮ ‬العالم العربي‮ ‬تتحدث عن الدولة المدنية مثل الجمعيات الخيرية.‮ ‬الدولة المدنية تنص على فصل الدين عن الدولة‮. ‬كان لي‮ ‬مأخذ على قياديي‮ ‬الانتفاضات العربية الحديثة،‮ ‬هو أننا لم نقرأ بياناً‮ ‬واحداً‮ ‬يطالب بفصل الدين عن الدولة أو بإعطاء المرأة حقوقها الكاملة،‮ ‬وحتى الثوار أنفسهم‮ ‬يمارسون لعبة دينية،‮ ‬لأن الهدف كما‮ ‬يبدو الوصول الى السلطة وليس بناء مجتمع جديد‮.

‮* في‮ ‬مقالك تحدثت عن الآخر الديني‮ ‬وقلت ان التاريخ الاسلامي‮ ‬لم‮ ‬يدشن للتثاقف مع الآخر‮. ‬هل النص القرآني‮ ‬يتقدم على تاريخ علاقة المسلمين مع سواهم من‮ ‬غير المسلمين؟‮ ـ النصوص الدينية سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو‮ ‬يهودية او بوذية تقول الشيء ونقيضه.‮ ‬ثمة تسامح وتعصب،‮ ‬إنكار الآخر واحترام الآخر،‮ ‬وخصوصاً‮ ‬أن النصوص الدينية كانت موجودة في‮ ‬القراءات الفقهية المهيمنة،‮ ‬النص الديني‮ ‬في‮ ‬الاسلام اليوم هو للفقهاء،‮ ‬وكل واحد منهم‮ ‬يفسره في‮ ‬طريقة مختلفة،‮ ‬وبالتالي‮ ‬لا‮ ‬يمكن حل مشكلة علاقة المسلمين مع الآخر بالعودة الى النص،‮ ‬بالعكس قد تتعقد المشكلات بسبب هذه الظاهرة باعتبار الدين مؤسسة دينية‮. ‬لست ضد الايمان الفردي،‮ ‬أن انتقدته فبوصفه له علاقة بحريتي‮ ‬الشخصية كزواجي‮ ‬وعائلتي‮ ‬وفكري،‮ ‬على هذا الاساس انتقده‮. ‬اذا درسنا تاريخ العلوم عند العرب لن نجد أي‮ ‬فكرة جديدة في‮ ‬كل الميادين،‮ ‬بمعنى أن هناك جلبا للنص ولذلك لم‮ ‬يكن هناك تقدم،‮ ‬الفقه هو الانتاج الديني‮ ‬الوحيد،‮ ‬بينما الفلسفة ليست انتاج الاسلام بالمعنى الديني،‮ ‬الدليل على ذلك أن أعظم ثورة في‮ ‬العلاقة مع الآخر حدثت عبر الفلسفة،‮ ‬الدين من المسلمين والعقل من اليونان،‮ ‬وصار العقل اليوناني‮ ‬كآخر،‮ ‬ليس كمسألة حوار فقط،‮ ‬بل أيضاً‮ ‬كمسألة تكوينية،‮ ‬العقل جزء مكمل للفكر العربي‮ ‬الإسلامي،‮ ‬لذلك أول من اهتم بالاخر هم المسلمون وليس الاسلام الديني‮ ‬الفقهي‮. ‬العقل الاسلامي‮ ‬قبل أرسطو وأفلاطون بوصفهما‮ ‬غير مسلمين وتفاعل معهما وبنى فكره عليهما‮. ‬الاخر عضوي‮ ‬في‮ ‬الفكر الاسلامي‮ ‬منذ القديم،‮ ‬ولكن اليوم‮ ‬يختلف الوضع بسبب القراءات السياسية للدين وبسبب الغلبة الايديولوجية‮. ‬مسؤولية الثوار اليوم أن لا‮ ‬يهادنوا على الاطلاق في‮ ‬محاربة أي‮ ‬مصادرة ايديولوجية لحركتهم‮.

‮* أجريت مقارنة بين الرؤية السلفية التي‮ ‬تحتكر النطق بإسم المقدس وحزب البعث الذي‮ ‬قاد المجتمع بذهنية اقصائية واحتكر السلطة والقرار‮. ‬هل تجربة حزب البعث في‮ ‬سورية تعكس أزمة الأحزاب العربية؟‮ ـ في‮ ‬معنى ما تعكس فشل التجربة الحزبية في‮ ‬العالم العربي،‮ ‬مع فارق أن حزب البعث وصل الى السلطة،‮ ‬بإستثناء الحزب الناصري‮ ‬الذي‮ ‬كان تجمعاً‮ ‬شعبياً‮. ‬حزب البعث‮ ‬يعكس أزمة المذاهب والعقائد وقد فشل في‮ ‬شكل كامل على جميع المستويات،‮ ‬وأسباب ذلك أن الاحزاب العربية ومن بينها حزب البعث اعتمدت على منهجية الايديولوجية الدينية ولم تعمل على الفصل الحقيقي‮ ‬بين الدين والدولة وهذا هو الخطأ المميت‮.

‮* رسمتَ خريطة طريق تاريخية لمأزق الديموقراطية في‮ ‬العالم العربي‮ ‬ومن ضمنه سورية‮. ‬واليوم دخلت سورية في‮ ‬مرحلة نوعية منذ بداية الحركة الاحتجاجية‮. ‬هل ترى ان الحراك الذي‮ ‬يقوده شباب سورية قادر على تخطي‮ ‬الارث السلطاني‮ ‬وبالتالي‮ ‬بناء دولة حديثة؟‮ ـ رغم إيماني‮ ‬الكامل بطاقة الشباب وبأن المستقبل لهم فان هؤلاء الشباب لم‮ ‬يبرهنوا حتى الآن أنهم‮ ‬يعرفون الجانب الآخر من العملية الثورية‮. ‬الجانب الاول من العملية الثورية في‮ ‬كل تاريخ الثورات هو إسقاط النظام،‮ ‬ليس النظام ككل بل رؤوس النظام،‮ ‬هذا أمر سهل،‮ ‬هناك أناس سقطوا لكن أسس النظام بقيت‮. ‬الشباب اليوم انتصروا في‮ ‬الجانب الاول،‮ ‬في‮ ‬حين أن ممارستهم وتصريحاتهم وكتاباتهم تؤكد أنهم‮ ‬غير مدركين للجانب الاخر من الثورة الحقيقية،‮ ‬الذي‮ ‬يجب أن‮ ‬يتأسس على حرية الفرد ولادينية المجتمع‮. ‬المجتمع لا دين له،‮ ‬دين المجتمع هو حقوق الانسان وحرياته وليس الكنيسة أو الخلوة او الجامع‮.

*‬ منذ بدء الانتفاضات العربية ظهرت نظريتان،‮ ‬الأولى تقول إن ما‮ ‬يحدث مشروع تفكيك وهذه النظرية‮ ‬يروج لها النظام في‮ ‬سورية والثانية تقول إن العرب بدأوا بالتدرج نحو الديموقراطية‮. ‬ما رأيك؟‮ ـ أنا لست ضد أي‮ ‬تفسير أو تأويل من الجهتين،‮ ‬ولكن‮ ‬يجب أن نتوقف نحن العرب عن التنظير الايديولوجي‮ ‬وعلينا ان نرى الواقع كما هو،‮ ‬هناك عناصر مضمرة لم نتكلم عليها ويتمثل جزء منها في‮ ‬الخطاب الطائفي‮ ‬الذي‮ ‬يعتمد عليه بعض الثوار‮. ‬في‮ ‬الواقع،‮ ‬هناك عنف‮ ‬يمارَس ضد الاقباط في‮ ‬مصر،‮ ‬وهذا العنف تمارسه الثورة،‮ ‬وهذا الأمر نجده في‮ ‬سورية أيضاً،‮ ‬فلم‮ ‬يتم إعطاء المسيحيين دورهم التاريخي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬في‮ ‬التحركات الجارية‮. ‬الى ذلك،‮ ‬هناك‮ ‬غياب كامل للمرأة في‮ ‬الحركات الاحتجاجية،‮ ‬هذه كلها مؤشرات الى عدم وضوح ما‮ ‬يسمى الحراك الثوري،‮ ‬فهو ما زال ضائعاً‮. ‬على مستوى سورية أريد أن أسأل من هي‮ ‬المعارضة؟ المعارضة الحقيقية التي‮ ‬لها معنى في‮ ‬دمشق هي‮ ‬المعارضة التي‮ ‬يقودها ميشال كيلو وفايز سارة‮.‬

‮* ‬على مستوى الجمهور أين المسيحيون في‮ ‬الحركة الاحتجاجية في‮ ‬سورية؟‮‬ ـ هم‮ ‬غير موجودين،‮ ‬ولا‮ ‬يعود ذلك الى تخويفهم من المشاركة الفاعلة في‮ ‬التظاهرات،‮ ‬السبب في‮ ‬رأيي‮ ‬يعود الى ان المعارضة في‮ ‬الداخل متسرعة ومشتتة،‮ ‬والمطلوب منها أن تضع وثيقة تحدد فيها ماذا تريد،‮ ‬هناك معارضات عدة،‮ ‬ولكن لا‮ ‬يعني‮ ‬ذلك أنني‮ ‬انكر ما انجزته‮.‬

‮* في‮ ‬هذه اللحظات الحرجة التي‮ ‬تمر بها سورية ما الأهم؟‮‬ ـ أن تتأسس معارضة حقيقية‮.

‮*‬ أليس الأهم أن الشعب السوري‮ ‬كسر هذا الخوف؟‮ ‬ـ كسر هذا الخوف مهم جداً،‮ ‬ولكن‮ ‬يجب أن‮ ‬يتبعه فتح طريق،‮ ‬وهذا الطريق لا‮ ‬ينتهي‮ ‬بكسر الخوف،‮ ‬كسر الخوف بداية‮. ‬أريد أن أسأل الى أين نحن ذاهبون؟ ماذا نعمل بالاقتصاد،‮ ‬بالجامعات،‮ ‬بالمؤسسات المعرفية والعلمية‮. ‬هذا لا‮ ‬يعني‮ ‬أنني‮ ‬ضد سقوط النظام،‮ ‬النظام‮ ‬يجب أن‮ ‬يسقط،‮ ‬لكن المعارضة مفككة‮.

‮* ألا ‬يتحمل النظام جزءاً‮ ‬كبيراً‮ ‬من تفكيك المعارضة السورية؟‮ ‬ ـ بالتأكيد أنا لا أنفي‮ ‬ذلك لكن اسقاط النظام‮ ‬يتم بإستعمال الادوات نفسها،‮ ‬والمعارضة تُسقط النظام بادواته،‮ ‬بمعنى أن المعارضة تفتقد السمات المشتركة في‮ ‬ما بينها حتى في‮ ‬القضايا الأساسية التي‮ ‬خانها حزب البعث،‮ ‬وأقصد فصل الدين عن الدولة وقضايا المرأة والتركيز على الفرد وليس الأمة،‮ ‬كل ذلك‮ ‬غائب عن جدول المعارضة‮. ‬هناك عنصرية كبيرة موجودة في‮ ‬سورية لم تلتفت اليها المعارضة،‮ ‬لماذا الكردي‮ ‬أو الاشوري‮ ‬ليس له حق في‮ ‬منصب رئيس الجمهورية؟ على المعارضة أن تتحدث عن هذه المسائل وغيرها،‮ ‬والخطوة الأولى تبدأ بإلغاء المادة التي‮ ‬تشير الى دين الدولة في‮ ‬الدستور،‮ ‬المعارضة تكتفي‮ ‬بإسقاط رأس النظام وهذه المعارضة لا تعني‮ ‬لي‮ ‬شيئاً‮ ‬لأنها لم تأخذ في‮ ‬الاعتبار المسائل التي‮ ‬أشرت اليها‮.

‮*‬ انتقدك كثيرون لأنك في‮ ‬رسالتك اعتمدت على التخويف من المشروع الاسلامي‮ ‬السلفي‮ ‬كما‮ ‬يفعل النظام. ما ردك على ذلك؟ وهل بنية المجتمع السوري‮ ‬في‮ ‬إمكانها مجاراة مشروع السلفيين؟ ـ بنية المجتمع السوري‮ ‬بنية دينية في‮ ‬العمق وعلى جميع المستويات،‮ ‬قلت واكرر حتى لا‮ ‬يعتقد البعض انني‮ ‬أدافع عن النظام،‮ ‬هذا النظام‮ ‬يجب أن‮ ‬يسقط،‮ ‬لكن القوة التي‮ ‬ستحل محله هي‮ ‬القوة الأكثر تماسكاً،‮ ‬والاكثر حضوراً‮ ‬في‮ ‬الاوساط الشعبية،‮ ‬وهذه القوة هي‮ ‬قوة متدينة سواء في‮ ‬صفوف الاخوان المسلمين أو سواهم من التيارات الاسلامية،‮ ‬وليس هناك قوة متماسكة تقدمية أو ليبرالية أو‮ ‬يسارية تستطيع أن تُمسك بنظام جديد‮. ‬أريد أن أكرر ان أي‮ ‬مجتمع عربي‮ ‬في‮ ‬الاطار التاريخي‮ ‬والحالي‮ ‬لا اثق به كثيراً‮ ‬ولا‮ ‬يعني‮ ‬لي‮ ‬شيئاً‮ ‬إذا لم‮ ‬يكن قائماً‮ ‬على فصل الدين عن الدولة‮.

‮*‬ طالبت الرئيس بشار الأسد بفك المماهاة بين سورية وحزب البعث‮. ‬هل الأسد قادر على القيام بهذه الخطوة التاريخية؟‮ ‬ ـ حاولت توريطه وحاولت أن اشق حزب البعث،‮ ‬ويبدو أنه انشق‮. ‬داخل النظام هناك أناس متطرفون‮ ‬يريدون الكل أو لا شيء وهؤلاء ذاهبون نحو الهاوية‮. الاسد قادر على إجراء الاصلاح وقادر على تفكيك هذه المماهاة وأقل شيء‮ ‬يمكن أن‮ ‬يفعله الاستقالة من منصبه‮.

‮* ما تقدمت به‮ ‬يؤكد وجهة النظر التي‮ ‬تقول أن ماهر الأسد هو السلطة‮. ‬هل تؤيد هذا الرأي؟‮ ‬ ـ بصرف النظر عن ذلك،‮ ‬على الرئيس الأسد أن‮ ‬يفعل شيئاً،‮ ‬وإذا تصورت نفسي‮ ‬مكانه أترك السلطة‮. ‬حزب البعث جزء من الشعب ويجب أن‮ ‬يخضع لارادة الشعب‮.

‮*‬ أحمد بيضون رد على رسالتك قائلاً‮ ‬ما معناه أنك لم تحدد موقفك من الحركة الاحتجاجية في‮ ‬سورية ولم تذكر حتى أي‮ ‬مدينة أو بلدة سورية انطلقت منها التظاهرات‮. ‬ما ردك؟‮ ‬ ـ لا أريد أن اناقش أحداُ‮ ‬لم‮ ‬يقرأ‮.

‮*‬ في‮ ‬رسالتك الى المعارضة افتتحت المقال بإشكالية تاريخية‮ "‬لماذا لم ننجح نحن العرب حتى اليوم في‮ ‬بناء مجتمع مدني‮؟" ألا‮ ‬يتحمل السلطان السياسي‮ ‬المسؤولية الكبرى في‮ ‬هذا المجال؟‮ ‬ ‮- ‬ الخطوة الأولى نحو المجتمع المدني‮ ‬والدولة الحديثة،‮ ‬التأسيس للديموقراطية والحرية‮. ‬السلطان السياسي‮ ‬يتحمل جزءا من مسؤولية تعطيل الديموقراطية،‮ ‬ولكن لا بد من توافر البيئات الحاضنة‮.

‮* ‬قلت في‮ ‬رسالتك الى المعارضة إن شروط التغيير السياسي‮ ‬والمجتمعي‮ ‬يتأسس جزء منها على معرفة التاريخ؟ هل‮ ‬يحتاج العرب الى إجراء مراجعة نقدية لتاريخهم السياسي‮ ‬أم أن المطلوب اعادة قراءة التراث؟‮ ‬ ـ عالجت هذه المسألة في‮ ‬كتابي‮ "‬الثابت والمتحول‮" ‬أوائل السبعينات،‮ ‬المطلوب اعادة قراءة هذا التراث وليس القطع معه،‮ ‬ليس من الممكن القطع مع لغة تمتد الى‮ ‬1500 عام من الكلام،‮ ‬القطع‮ ‬يكون مع بعض المستويات ومع بعض المفاهيم ومع بعض النظريات والمفكرين‮. ‬الفكر الخلاّق نشأ في‮ ‬نقاش مع الدين وكان ضد الدين من فلاسفة وعلماء رياضيات وشعراء،‮ ‬حتى المتصوفون الذين‮ ‬يتهمهم البعض بانهم متدينون أحدثوا أعظم ثورة في‮ ‬تاريخ الفكر الاسلامي‮ ‬بتغييرهم لمفهوم الله،‮ ‬مفهوم الله في‮ ‬القرآن مفهوم تجريدي،‮ ‬الله صديق الانسان،‮ ‬الله موجود في‮ ‬الانسان،‮ ‬وهذا التيار كان ضد الدين بالمعنى التقليدي‮. ‬المشكلة أن المؤسسة الفقهية التشريعية تجعل من الكائن الحي‮ ‬كمن‮ ‬يعيش في‮ ‬قفص‮. ‬هذا ما‮ ‬يجب تغييره‮. ‬يمكن أن نأتي‮ ‬برئيس ألطف ولكن هل في‮ ‬إمكاننا بناء مجتمع جديد،‮ ‬هذا ما اطالب به الثوار‮.

‮* الفئة التي‮ ‬تمثل الحركة الاحتجاجية في‮ ‬سورية‮ ‬غالبيتها من الارياف التي‮ ‬يعاني‮ ‬سكانها‮ ‬غياب التنمية‮. ‬لماذا لا‮ ‬يتم تظهير الجانب الاجتماعي‮ ‬للثورة في‮ ‬سورية؟ وأي‮ ‬دور للتنمية في‮ ‬التأسيس للديموقراطية؟‮ ‬ ‮ ‬ـ النظريات كثيرة لكن دائماً‮ ‬أهم شيء هي‮ ‬التجربة الحية‮. ‬سألت مرة‮ ‬يابانيا عن علاقة بلاده بأميركا،‮ ‬فقال لي‮: ‬نحن ثأرنا تاريخياً‮ ‬من أميركا ومن‮ ‬يخيفنا هم الكوريون لأنهم‮ ‬يعملون أكثر منا‮.

‮* ‬أشرت في‮ ‬المقال الثاني‮ ‬الى أن النظام ما زال‮ ‬ينظر الى المسيحيين من منظار أهل الذمة بسبب حرمانهم مراكز القرار‮. ‬هل‮ ‬يمكن أن توضح لنا الفكرة في‮ ‬شكل أوسع؟‮ ‬ ـ كل الأحزاب الطليعية في‮ ‬العالم العربي‮ ‬تحدثت عن أهمية اشراك الآخر في‮ ‬القرار ولكن لم‮ ‬يحدث شيء،‮ ‬وفي‮ ‬المقابل كل الدساتير العربية تنص على أن دين الدولة هو الإسلام،‮ ‬وهذا الاقرار‮ ‬يعني‮ ‬عدم الاعتراف بالاخر وتحجيمه وممارسة العنف ضده‮. ‬المطلوب اليوم من المعارضة السورية كما كررت أكثر من مرة تحديد موقفها من مسألة فصل الدين عن الدولة،‮ ‬وحين‮ ‬يتحقق ذلك كل شيء‮ ‬يُسن بالقانون،‮ ‬ولا‮ ‬يبقى أي‮ ‬مانع أمام الاشوري‮ ‬أو الكردي‮ ‬من أن‮ ‬يكون رئيساً‮ ‬للجمهورية في‮ ‬سورية‮. ‬المسألة الدينية في‮ ‬سورية مركبة على عروبة عنصرية،‮ ‬يريدون تعريب البشر،‮ ‬ولا‮ ‬يريدون الاعتراف بالهويات الأخرى‮. ‬ذات مرة سألت صديقا من مفكري‮ ‬حزب البعث الكبار‮: ‬يا أستاذ لماذا ترفعون شعار الشعب السوري‮ ‬العربي،‮ ‬ألا‮ ‬يعني‮ ‬ذلك أنكم تضعون كل الجماعات في‮ ‬سورية داخل إناء واحد؟‮

‮*‬ هل‮ ‬يمكن القول إن‮ "‬انفجار‮" ‬عصر الجماهير بدأ في‮ ‬العالم العربي‮ ‬والى أي‮ ‬مدى‮ ‬يمكن أن نقارنه بالثورة الفرنسية؟‮ ‬ ـ لا‮ ‬يمكن مقارنته بالثورة الفرنسية‮. ما‮ ‬يحدث اليوم على أهميته التاريخية‮ ‬يحتاج الى نضال طويل والى ضرورة توضيح الاهداف والغايات،‮ ‬وحتى الآن كل الافكار التي‮ ‬يطلقها الثوار في‮ ‬العالم العربي‮ ‬غير واضحة‮.

‮*‬ ماذا‮ ‬يمكن أن تطلق إذاً‮ ‬على هذا الحراك الشعبي؟‮ ‬ ـ‮ ‬يمكن ان نطلق عليه انتفاضة أو تمرداً،‮ ‬الثورة تعني‮ ‬تغيير بنية المجتمع من الداخل وما‮ ‬يحدث مهم جداً‮ ‬ويجب دعمه‮.

‮*‬ أيهما اجدى،‮ ‬دعم ما سمته الانتفاضة الاصلاح الديني‮ ‬أم الانفتاح على العولمة الاقتصادية؟ ـ طبعاً‮ ‬الانفتاح الاقتصادي،‮ ‬لا‮ ‬يوجد اصلاح ديني،‮ ‬الدين إما أن‮ ‬يؤخذ ككل وإما أن‮ ‬يقصى ككل،‮ ‬كيف‮ ‬يمكن اصلاح مفهوم النبوة وكيف‮ ‬يمكن أن نصلح القرآن‮.

‮* لكن الاصلاح ممكن عبر القراءة الجديدة للنص القرآني؟‮ ‬ ـ لكن القراءة الجديدة‮ ‬يجب الا تكون قراءة الأكثرية،‮ ‬وإذا بقيت القراءة أسيرة الوسط المؤسسي‮ ‬سواء كان أزهريا أو سعوديا،‮ ‬ستبقى قراءة الاكثرية وليس الاقلية‮. ‬يجب إبعاد الدين كلياً‮ ‬عن قضايا الاصلاح،‮ ‬ويجب احترامه ووضعه في‮ ‬اطاره الفردي،‮ ‬الدين حق من حقوق الفرد واللاتدين هو ايضاً‮ ‬حق من حقوق الفرد.‬

المصدر:
الراي الكويتية

خبر عاجل