#dfp #adsense

“اللواء”: “الدبلوماسية الساقطة” تُفقد لبنان أوراقاً دولية في تثبيت مصالحه في المنطقة

حجم الخط

كتبت رلى موفق في صحيفة "اللواء": أثارت مقاربة لبنان البيان الرئاسي لمجلس الأمن في شأن أحداث سوريا جملة التباسات وتساؤلات حول منطلقات الحكومة الميقاتية عكست تخبطاً على مستوى القرار الرسمي اللبناني، لا بل قصوراً دبلوماسياً في مقاربة "مميزة" لهذا الموضوع. وما زاد من الالتباس والتساؤل تبرير رئيس الحكومة نجيب ميقاتي لقرار "النأي بنفسه" عن البيان، والتي عزاها إلى "عدم تدخّل لبنان في الشؤون الداخلية للدول الأخرى ولا سيما العربية".

ومرد الالتباس إلى خلط لبنان بين موقفه السياسي والموقف العربي، وإظهار كرسيه في مجلس الأمن على أنه كرسي لبناني، فيما هو ممثل المجموعة العربية في هذا الجسم الدولي، وليس ممثل لبنان فقط. وهذا الخلط يَظهر جلياً في التبرير للموقف الرسمي اللبناني، إذ أنه غاب عن الدبلوماسية اللبنانية ورئيسها ورئيس مجلس الوزراء أي إشارة إلى القرار العربي الذي كان في إمكان لبنان أن يستند إليه في تظهير موقفه سواء سلباً أو إيجاباً، تماماً كما حصل في موضوع ليبيا. ذلك أن قول ميقاتي إن الموقف انطلق من القناعة بعدم التدخّل لا ينسجم مع أداء لبنان من أحداث ليبيا، حيث قاد مندوب لبنان معركة التدخّل الدولي في هذا البلد، مستنداً ومدعوماً بموقف عربي عبّرت عنه جامعة الدول العربية حينها. أما قول وزير الخارجية عدنان منصور أنه يرفض بالمطلق أي قرار يُدين سوريا يدل على اعتباره الموقع لبنانياً لا عربياً.

ويظهر الإخراج اللبناني مدى التخبط السياسي الرسمي، ذلك أن البيانات الرئاسية، وفق ما يؤكده الأستاذ في القانون الدولي شفيق المصري "تصدر ليس بالضرورة بإجماع أعضائها، إنما من دون إثارة اعتراض أو رفض معلن عليها". بمعنى أن صدور البيان الرئاسي أمس الأول لم يكن يحتاج إلى موافقة لبنان، بل إلى عدم اعتراضه أو رفضه علنياً أثناء الجلسة. وهذا ما حصل، إذ أن مندوبة لبنان في مجلس الأمن لم تعترض أثناء الجلسة، ولو فعلت لما صدر البيان. وهي ألحقت البيان الرئاسي بعد انتهاء الجلسة وليس قبلها أو خلالها بـ "تصريح النأي". وكلمة "نأى بنفسه" – يقول المصري – ليس لها أي مفعول قانوني طالما أنها لم تثر بشكل رفض أو اعتراض مُعلن. وهناك سوابق في مجلس الأمن لجهة صدور بيانات رئاسية لم توافق عليها كافة الدول الأعضاء لكنها لم تعترض علناً عليها مسهلة صدورها.

و"النأي" هنا بمثابة "امتناع" في حالة القرار الذي يحتاج إلى تصويت. ولم يكن في رأيه الامتناع اللبناني خاطئاً، إذ أنه جاء منسجماً مع الموقف العربي لأن لبنان يمثل المجموعة العربية التي لم تصدر، بخلاف الموضوع الليبي، أي اعتراض أو رفض علني لما يحدث في سوريا"، بالطبع ليس هذا منطلق الحكومة الميقاتية التي لم تفطن في مقاربتها للموضوع واقع تمثيلها المجموعة العربية والإفادة من موقفها في العلاقة مع المجتمع الدولي، ذلك أن "تصريح النأي" حمل منسوباً سياسياً عالياً يشكل استفزازاً في مضمونه وعباراته للمجتمع الدولي برمته. وهو من وجهة نظر سياسية ودبلوماسية تحوّل إلى "سقطة سياسية" أظهرت أن لبنان واقع في القبضة السورية، لا بل إنه وسوريا معاً في حالة من الإرباك الشديد.

والأخطر أن لبنان بـ"دبلوماسيته العاجزة والساقطة" انكشف حيال الحليف الدولي المفترض أنها تتفيّأ تحت عباءته. وكان حري به أن يُراعي الموقف الروسي. فموسكو التي حمت سوريا طوال الأشهر الماضية قاطعة الطريق أمام صدور أي قرار إدانة مُلزم، اضطرت تحت الضغط الدولي إلى مجاراة مجلس الأمن في صدور بيان رئاسي يندّد باستخدام العنف من قبل السلطات السورية ضد المدنيين، لكنها استطاعت وفق تعبير ممثل روسيا في مجلس الأمن أن تضمّن البيان "دعوة دقيقة لا تحمل ازدواجية المعنى لإنهاء كافة مظاهر العنف" في سوريا و "بدء جميع الأطراف المعنية حواراً سياسياً"، وأن تؤكد على سيادة الدولة السورية واستقلالها ووحدتها في الفقرة الأخيرة التي كان على لبنان تلقف هذه الإشارة والتأكيد على التمسك بها. وهذا كان سيظهره في موقف دبلوماسي "متميّز"، من ضمن السياق الدولي لا خارجه.

وإذا كانت الحكومة الميقاتية تعتبر نفسها أنها اجتازت هذا الاختبار، بحيث أنها حاذرت الاشتباك مع المجتمع الدولي، فأرضته من خلال عدم الاعتراض مسهلة صدور البيان الرئاسي، كما أرضت سوريا من خلال "تصريح النأي"، الذي أكدت عبره على وحدة المسار والمصير، فإنها ستكون غداً أمام استحقاقات تشهد انقساماً سياسياً حقيقياً في البلاد، مرشحاً لأن يستعرّ في قابل الأسابيع والأشهر، سواء على مستوى تطور الثورات العربية ولا سيما الاحتجاجات الشعبية في سوريا أو القرار الظني في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وهي استحقاقات تحتاج إلى مواقف باللون الأبيض والأسود، بحيث أن اللون الرمادي ولعبة الهروب إلى الأمام لا تجدي نفعاً.

فموقف رئيس الحكومة الذي تسعى أوساطه إلى الإيحاء بأن أحداث سوريا شأن داخلي، لا يستقيم حين يُعلن "حزب الله" بوصفه الفريق الأساسي الذي يغطي حكومته أنه داعم للنظام السوري وأنه لا يتخذ موقف الحياد في هذا الملف، وحين تتحدث التقارير الدولية عن مساعدة لوجستية وتكتية يقدمها الحزب وإيران للسلطات السورية. كما أنه لا يستقيم حين يحوّل بعض حلفاء سوريا مناطق لبنانية "مربعات أمنية" تجوبها "الشبيحة" في مواجهة احتجاجات سلمية تأييداً للشعب السوري. وهي ممارسات تترافق مع تلميحات سياسية لمرحلة عودة التضييق على الحريات الإعلامية من بوابة التعاطي مع الشأن السوري، ما يشكل بدايات لما يمكن أن ينتظر لبنان إذا استمر في ربط مساره مع المسار السوري الذي يكتنفه الغموض يوماً بعد يوم في ضوء التحوّل في الموقف الروسي وازدياد العزلة الدولية وتفاقم حركة المعارضة في الداخل وعجز النظام عن السير في أي اتجاه يضمن له خروجاً مشرّفاً من الأزمة الحالية التي يزداد الاقتناع بأنها باتت قاتلة!.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل