أهمية الاتصالات في مجالات العمل الحديثة لا يمكن تحديدها. كل ما يمكن قوله ان سرعة الاتصالات واستقرارها يضطلعان بدور اساسي في النشاطات الاقتصادية وفي تنفيذ العقود وانفتاح فرص العمل وذلك داخل المجتمعات وفي تفاعلها مع الخارج.
والتطورات التقنية المتسارعة عالمياً توسع نطاق الاستفادة من خدمات الاتصالات كما تساهم في خفض كلفة الاتصالات.
وحين زار الاستاذ كارلوس سليم، الذي هو من كبار اصحاب شركات الاتصالات والتواصل عالمياً لبنان، اكد ان مستقبل لبنان مركزاً للاعمال والنشاطات وخصوصا في القطاع المالي والمصرفي يرتهن بمدى تطوير شبكة الاتصالات وتنوع خدمات الاتصالات وكلفتها.
ويبدو ان هذا التصور في محله لان ثروة كارلوس سليم استنادا الى تقدير مجلة "فوربس" ازدادت 20 مليار دولار عام 2010 وهو صار يملك من الاسهم والموجودات ما يفوق ثروة بيل غيتس بـ17مليار دولار، وزيادة ثروته خلال 2010 تجاوزت اكبر ثروة لاي عربي.
في المقابل ماذا نشهد في لبنان؟
خدمات الهاتف المحمول على ترد وتكاليف الاستعمال وان خفضت في اوقات معينة تفوق تلك المعروفة في المنطقة وتفوق اضعافاً مضاعفة تكاليف التخابر والاتصال والتواصل بالانترنت في الدول الصناعية المتقدمة.
خدمات الهاتف متقطعة، بالكاد يستطيع الواحد منا انهاء مخابرة مختصرة وتكون النتيجة اعادة الاتصال مرتين وثلاثاً من اجل انهاء هذه المخابرة التي لا قد تفي بالغرض منها اصلاً.
اما خدمات الانترنت فحدث عنها ولا حرج. فتح الخط قد يستغرق دقائق وسرعة الاستعمال تعيدنا الى اواخر القرن العشرين، في حين ان تطورات السنين العشر المنصرمة جعلت هذه الوسيلة افضل سبيل للاتصال السريع والاقتصادي، انما ليس في لبنان.
ان تكاليف المصارف والشركات المالية العاملة في لبنان للاتصال وتحصيل المعلومات وانجاز العقود بالغة الارتفاع بالمقارنة مع الدول المتقدمة، وحتى مع الدول الاقل تقدماً كسوريا والاردن مثلاً.
وضع الاتصالات على انواعها المتردية في لبنان لا يشجع الكثير من الشركات على العمل انطلاقاً من لبنان، ونحن لا نتحدث عن الشركات اللبنانية وان تكن ثمة شركات بين هذه باتت تحتل موقعاً متقدماً في مجلات الاتصالات والمعلوماتية وتعتبر من الافضل في العالم، لكن هذه الشركات لا تخاطر بنقل مكاتبها الى لبنان لوفرة الأعطال، وتأخير الاتصالات الهاتفية وتردي خدمات الانترنت الى اسوأ مستوى في العالم. فلدى جزيرة هايتي شبكات افضل، بدليل ان تصنيف لبنان بين الدول على صعيد خدمات الانترنت هو الاخير في مجموعة الدول المنضمة الى منظمة الامم المتحدة.
اضافة الى المعوقات المشار اليها، وتأخير خدمات الجيل الثالث دونما توضيح، كما اعتماد شبكة الالياف البصرية السريعة، لا بد من الاشارة الى التكاليف الباهظة لاستعمال خدمات الـRoaming والتي تحد من اعتماد المشتركين هذه الوسيلة خلال اسفارهم. ومعلوم ان مستعملي هذه الخدمة غالباً ما يكونون من رجال الاعمال المسافرين لانجاز اعمال في اكثر من بلد، لكن هؤلاء يحتسبون كلفة انجاز اعمالهم وتأثير هذه الكلفة على ارباحهم، خصوصا ان هنالك وسائل للاتصال تتوافر عبر الاقمار الاصطناعية ذات صدقية في الاستعمال تفوق أي خدمات تتوافر من لبنان وفي قابل تكاليف يمكن القول انها بسيطة.
ان الاتصالات وخدمات التواصل، المنخفضة الكلفة والمرتفعة الكفاية، جوهرية لاي بلد، وبالنسبة الى لبنان هذه الخدمات اكثر اهمية منها لبلدان عدة لا تعتمد على الاتصالات والتواصل بقدر ما يفعل هو.
لقد قارب لبنان بالموارد المالية المتوافرة لمصارفه العاملة فيه وفي المنطقة، وبفضل توافر الخبرات والعلوم المصرفية لشبابه وشاباته، ان يصير مركزاً مالياً اقليمياً يسبق أي مركز آخر في المنطقة.
لكن تحقق ذلك لا بد ان يسبقه امران: تطوير لشبكات الاتصال والتواصل وخدمات الانترنت والهاتف المحمول المتطورة في مقابل اسعار وتكاليف معقولة، وانجاز قانون لتطوير السوق المالي يحسن فاعلية الرقابة على تبادل الاسهم ويوسع حقوق المساهمين الرقابية على اعمال مديري الشركات ويحد من التلاعب بين التعويضات الشخصية وارباح الشركات المعنية.
واذا كان التشريع يحتاج الى وقت، فإن مبادرات التحسين في نطاق الانترنت والتخابر بالهاتف المحمول وادخال الشبكات البصرية السريعة، يمكن تحقيقها اذا تحلى وزير الاتصالات بالانفتاح والمعارف.
قرأنا اخيرا تصريحا لوزير الاتصالات يقول فيه انه في غضون اسبوعين او ثلاثة سيقدم مشروعا من الى مجلس الوزراء يؤدي اقراره الى تحسين خدمات الانترنت، وزيادة سرعتها وخفض تكاليف التخابر جذريا.
هذا الكلام سمعناه من سلفه الذي وعدنا بخفض التكاليف، وتسبب لجميع المشتركين بالتقطيع المزعج والمكلف، وهو الوزير الذي جمد 1,5 مليار دولار عوض ادخالها في عناصر الموازنة – التي يفترض ان تكون موحدة – وتاليا حمل لبنان واللبنانيين تكاليف اقتراض مبالغ مماثلة ربما في ادنى حال تساوي 90 مليون دولار سنوياً. كل ذلك بدعوى المحافظة على اموال البلديات التي حازت القليل من عائدات الهاتف خلال ولاية شربل نحاس.
ان التمسك بالنزاهة فضيلة، وهذا امر لا ينازع فيه احد الوزير السابق والوزير الحالي، لكن المعاندة في سبيل فرض الرأي ولو على حساب المجتمع امر فيه الكثير من الضرر.
الوزير الجديد يقول ان في وسعنا منافسة اسرائيل في مجال الاتصالات، وهذا التنطح يفرض علينا ان ننصحه بانجاز بعض القرارات الفنية ليغوص في الموضوع الى حد التفهم.
هو على حق حين يتحدث عن نجاحات لبنانية في مجال الاتصالات والمعلوماتية، وربما استطاع ان يتكئ على خبرة رئيس الوزراء في هذا المجال. فالرئيس وعائلته حققا اختراقات لبنانية ودولية في مجال الاتصالات، وطرحا اسهماً في سوق دبي للاوراق المالية-لان تنظيم سوق بيروت كان مفقوداً كما لا يزال – وهما ركزا نشاطاتهما الرئيسية في بلدان خارجية، فلماذا حضرة الوزير تلقى نشاطات شركة دولة الرئيس للاتصالات نجاحاً اكبر في بنغلادش منها في لبنان؟
ليتك، حضرة الوزير الشاب، الذي عرفته شاباً يسعى الى اكتساب المعارف، تتواصل مع اصحاب النجاحات من اللبنانيين في مجالات الاتصالات والمعلوماتية فتكون لك ولنا فائدة.