في سَعيه لحماية مصالح الدول الفقيرة ذات الحدود البحرية، وضع مجلس الامن في العام 1982 اتفاقية دولية، انضمّ اليها لبنان في العام 1994 حَدّدت سُبل التفاوض مع الدول المتشاركة مع حدوده لترسيمها وتحديدها. في ذلك الوقت، لم يَكن النفط سببا للانضمام الى الاتفاقية، لأنّ وجوده في مياهه كان لا يزال مجهولا، إنما لاهتمامه بالثروة السمكية، الى أن بدأ الحديث عن وجود النفط.
قبرص تَخون لبنان ؟
وفق الاتفاقية الدولية، يستفيد كل بلد واقع على البحر مِمّا يُسمّى بالمنطقة الاقتصادية الحصرية، والتي حدّدت بـ 200 ألف ميل بحري، ما يساوي 370 كلم. ويكفي أن يعمد البلد المستفيد الى الإعلان عن منطقته الاقتصادية، من دون تحديد ما يعرف بالإحداثيات كمرحلة اولى، شرط أن يتعهّد عدم تخَطّي المساحة المحددة في الاتفاقية الدولية، وهذا ما فعلته معظم الدول المشاركة كفرنسا وتونس وغيرها، على أن تعمل في موازاة ذلك على التفاوض مع الدول المجاورة لحدودها أو المواجهة لها.
في العام 2006 ذهبَ لبنان للتفاوض مع الدولة القبرصية بواسطة وفد من وزارة النقل، فعمد الى تحديد الخط الوسطي بين الدولتين، لأنّ المنطقة البحرية بينهما هي دون الـ 270 كلم، ولأنّ قبرص تبعد عن لبنان حوالى الـ 100 كلم. وقّع لبنان مع قبرص اتفاقية لم تصبح نافذة، لأنّها لم تقرّ في مجلس النواب اللبناني.
وفق الاتفاقية مع قبرص اليونانية، ينتهي الخط الوسطي الذي وقّع عليه كل من لبنان وقبرص عند نقطة تلاقي بين سوريا وقبرص ولبنان شمالا في النقطة "6" (الصورة)، وبين لبنان وقبرص واسرائيل جنوبا حدّدت بـ "1".
هذا الخط الوَسطي تبَدّلت ملامحه في التفاوض القبرصي – الاسرائيلي واتّسَع شمالا الى نقطة جديدة تُعرَف بـ 7 وجنوبا بـالنقطة 23. ما سمح باستباحة المياه اللبنانية شمالا من خلال الجانب السوري، وجنوبا من خلال اسرائيل التي وضعت يدها على حوالى 860 كلم2.
ووفق مصدر مُتابع، فإنّ الجانب اللبناني يعتبر أن قبرص لم تراع الاتفاقية الموقعة مع لبنان عندما ذهبت للتفاوض مع اسرائيل، فهي لم تبلغه بذلك عملا بالبند الثالث من الاتفاقية (راجع الصورة) الذي يُلزم أيّ طرف من الطرفين، إذا دخل في مفاوضات تهدف الى تحديد منطقتها الاقتصادية الخالصة مع دولة أخرى، إبلاغ الطرف الآخر والتشاور معه قبل التوصّل الى اتفاق نهائي مع الدولة الاخرى.
وشَرح مصدر رسمي أن "خيانة" قبرص للبنان كانت لأسباب لها علاقة بامتثال حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لطلب تركيا بتجميد الاتفاقية مع الدولة القبرصية، وأخرى اقتصادية متعلقة بما قدمته إليها اسرائيل من إغراءات ووعود باستخدام قبرص بوّابة لها الى اوروبا لبَيع نفطها وغازها.
لا ينكر المصدر نفسه حصول خطأ من الجانب اللبناني في توقيع الخط الوسطي بالنقطتين:1 و6، على رغم مَعرفته بأنّ حق لبنان يَصل الى حدود نقطتي 23 و7، لكنه يُبرّر ذلك بما اتفق عليه الجانبان في هذا الصدد، وفق محضر الاجتماع المشترك (الصورة) الذي أرسله الجانب القبرصي الى السلطات اللبنانية، وفيه أن النقاط الأخيرة تمّ التراجع بها (have been shied away) عن النقطتين اللتين تمّ احتسابهما في الشمال والجنوب، من أجل المساعدة على إجراء المفاوضات المستقبلية مع الدول المجاورة.
المنطقة البحرية:
مزارع شبعا جديدة
وسط هذه الأجواء، نشطت الدوائر الرسمية اللبنانية في الآونة الأخيرة بين مجلس النواب والسراي الحكومي في حركة استلحاقية، فعملت لجنة الأشغال النيابية، بالاتفاق مع رئيس مجلس النواب، على بلورة اقتراح القانون المتعلّق بالحدود البحرية، فيما نشط فريق رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على وضع قانون للهدف نفسه، واستعان بفريق الجيش اللبناني وخرائطه، التي تبيّن، وبعد عَرضها على خبراء اوروبيين وَصل آخرهم من بريطانيا أمس، بأنها أعدّت بإتقان ولا خطأ فيها. ووفق المعلومات، فإنّ الاجتماع الذي حصل في السراي الكبير عشيّة جلسة مجلس الوزراء الثلثاء والجلسة التشريعية، انتهى بوَضع قانون جَمعَ بين مشروع فريق ميقاتي واقتراح رئيس لجنة الأشغال النيابية النائب محمد قباني، وبقيت المادة السادسة منه بتحديد الإحداثيات مُعلّقة وَسط إصرار حزب الله والرئيس بري والنائب قباني على ضَمّها الى القانون، وتحديدا النقطة 23 المتنازَع عليها مع اسرائيل، وإغفال باقي النقاط شمالا والمرتبطة بالجانب السوري، في مقابل إصرار فريق الرئيس ميقاتي على تأجيل الموضوع للمصلحة اللبنانية، تمهيدا لتَرك المجال بالمطالبة بحَقّنا إذا تبيّن لاحقا أن المساحة هي أكبر من المحددة.
ونجحت اتصالات الساعات الأخيرة، قبيل الجلسة التشريعية، بإبعاد البند السادس، على أن تصدر الإحداثيات بمرسوم لاحق.
وتكشف مصادر متطابقة أن إقرار القانون في مجلس النواب سيستتبع بسَعي رسمي لبناني، لعودة التواصل مجددا مع الجانب القبرصي من خلال وزارة الخارجية اللبنانية كبداية.
في هذا الوقت، تُبدي مصادر رسمية تخوّفها من أنّ الكلام العالي النبرة لحزب الله، والتهديدات التي أطلقها أمينه العام لتحصيل حقوق لبنان بالنقطة 23 المتنازع عليها مع اسرائيل، والتي تبلغ مساحتها 860 كلم2، والتي يفترض أن يكون سبيل استرجاعها عائد الى الدولة اللبنانية وحدها، هذا الكلام قد يضيّع على لبنان فرصة الاستفادة من منطقته الاقتصادية التي تبلغ مساحتها 23 ألف كلم2، وهي المنطقة التي عملت الشركة النروجية PGS على تحديد النقاط المحتملة لوجود نفط وغاز فيها، وتتخوّف المصادر من أن يؤدي الكلام التهديدي أيضا الى إبعاد الشركات الساعية الى التنقيب، والتي بلغ عددها العشرين، من اميركية واوروبية وروسية وغيرها.
بَين تحديد وظيفة جديدة للسلاح أبعَد من شبعا، وبين مصلحة لبنان في الاستفادة من 23 ألف كلم2 والتفاوض على 860 كلم2، عَوض عرضها بالقوة والاستعراض، أو التهديد غير ذي الجدوى، سألت المصادر نفسها، الى أين يجب أن تتّجه الحكومة اللبنانية ؟