يعتقد مصدر دبلوماسي لبناني مطّلع أنّ نائبة رئيس بعثة لبنان الى الأمم المتحدة كارولين زيادة قد "أخطأت عمدا" في بيانها الذي تلته لتبرّر موقف لبنان بأنه "نأى بنفسه عن البيان الرئاسي الذي أصدره مجلس الامن الدولي اول امس بشأن الوضع في سورية بالشكل الذي كان مطروحا"، لتقول انه "لا يخدم الهدف المعلن إذا كان معالجة الوضع القائم في سوريا". وكان الأجدر بها لو تسمح لها ظروف العمل من موقعها في مجلس الأمن الدولي ان تعلن صراحة ان الهدف من موقف لبنان الذي لم يتخذه أحد من قبل انه "كان حماية الوضع في لبنان أكثر مما كان لحماية الوضع في سوريا".
ما معنى هذا الكلام؟ وهل يمكن ان ترتكب نائبة رئيس البعثة مثل هذا الخطأ؟
يقول المصدر الذي واكب الاتصالات التي رافقت انعقاد جلسة مجلس الامن أمس الأول إن لبنان رافق في دقة متناهية كل المراحل التي قطعها المشروع الأوروبي في مجلس الأمن الدولي منذ اللحظة التي ولدت فيها الفكرة لإدانة النظام في سوريا على ما ارتكبه في حماة والمدن السورية الأخرى. وتحولت بعثة لبنان الى المنظمة الدولية الى خلية نحل تشرف عليها السيدة زيادة لوجود رئيس البعثة السفير نواف سلام في بيروت. لذلك، فقد كانت على اتصال مباشر برئيس الحكومة نجيب ميقاتي ووزير الخارجية عدنان منصور لتنقل اليهما بالتفصيل ما يجري هناك من مشاورات ومخارج مطروحة لتسهيل ولادة البيان الرئاسي، والذي كان قاب قوسين او ادنى ليصدر من المرحلة الأولى لطرحه بالإجماع، لولا التريّث اللبناني الذي أرجأ صدوره ساعات.
الخيارات الثلاثة
استمع ميقاتي ومستشاروه الى زيادة، وتوقف الجميع امام سيناريوهات ثلاثة على لبنان ان يختار أحدها، وهي:
– الأول يقول انه يمكن لبنان ان يوافق على البيان أسوة بمندوبي الدول الـ14 الأخرى. فلم يعد لأي مندوب في مجلس الأمن الدولي غير المندوب اللبناني أي اعتراض على الصيغة النهائية. وهذا يعني أن علينا أن نحتسب في مقابل التزامنا بالإجماع الدولي، ردات الفعل على الساحة اللبنانية التي كانت تترقب الموقف من موقعي الأكثرية الجديدة المؤيدة لسوريا الى النهاية او موقف المعارضة التي تقدم فيها موقف الحريري على ما عداه، والذي تحدث عن نهاية مرحلة السكوت على ما يجري في سوريا بعد أحداث حماة.
– الثاني يقول ان يعارض لبنان الإجماع الدولي على شكل البيان ومضمونه فيسقط، وعندها سيكون الاتجاه حتما الى قرار من مجلس الأمن الدولي، وهي خطوة أشد وأقسى من بيان لا يحمل سوى قيمته المعنوية ولا يتضمن أي إجراءات ملزمة لمجلس الأمن. وفي هذه الخطوة ما ينعكس سلبا على مصلحة لبنان بالدرجة الأولى، وبالتالي على السوريين. فهل بقدرتنا ان نقف في الظرف الراهن في مواجهة المجتمع الدولي؟ وهل في امكان لبنان تحمل تبعات هذا الأمر؟
– الثالث والأخير يقول أن يقف لبنان على الحياد كما فعل يوم كان القرار، يعني الملف النووي الإيراني، فلا يؤيد ولا يعترض، لا يلتزم مضمونه ولا يتبناه، وهو الخيار الأقل ضررا على لبنان ويمكنه من خلاله ان لا يشكل الخاصرة الرخوة لسوريا، فيلتزم بند العلاقات بين البلدين كما نص عليه اتفاق الطائف.
امام هذا العرض للخيارات الثلاثة، وسع رئيس الحكومة من دائرة مشاوراته فلم يستثن أحدا، لا رئيس الجمهورية الذي كان يواكب الملف حتى في طريقه من بعبدا الى بيت الدين، ولا رئيس المجلس النيابي ولا القيادات السياسية في الأكثرية الجديدة، فكان ان ابتدع ميقاتي صيغة لم يعتدها المجتمع الدولي ولا لبنان مرة واحدة الى اليوم، "فنأى بنفسه عن البيان" بلغة دبلوماسية هي الأقل سلبية والأقل إيجابية تجاه الموقف الدولي، بعدما خسرت سوريا التأييد الروسي والصيني، ولم يعد بقدرة لبنان ان يواجه وحيدا.
رسالتان إلى الداخل وسوريا
الى هذه المرحلة نقل امس عن الرئيس ميقاتي اعترافه بأن لبنان عَبَر أمس الأول قطوعا كبيرا كاد يكون فخا يؤدي الى ضرب العلاقات بين لبنان والمجتمع الدولي من جهة، وينعكس سلبا على العلاقات بيبن اللبنانيين في ظل الانقسام الحاصل بين مؤيد للنظام في سوريا في كل ما يقوم به ضد شعبه وبين فئة أخرى لم تعد تحتمل ما يجري هناك من جهة ثانية.
وما بين الخيارين، يمكن الحكومة اللبنانية ان توجه رسالتين: واحدة الى الداخل اللبناني تقول فيها انها وفرت قطوعا امنيا وسياسيا كبيرا، وابعدت البلاد عن الكثير من المآزق المحتملة. وثانية الى القيادة السورية عبر حلفائها تقول فيها: هذا أقصى ما استطعنا فعله من أجلكم، فلبنان ليس روسيا ولا الصين، وتمكن من ان يكون عابرا آمنا يتقن اللعب على طول حبل الهاوية.