أفضل ما قيل في حال لبنان أخيراً ما كتبه الزميل حازم صاغية في "الحياة" قبل ثلاثة ايام، ان السوريين يشترون وطنا واللبنانيين يبيعونه! فالمفارقة الكبرى التي يعيشها اللبنانيون في هذه المرحلة تتمثل في ان زلزالا يضرب ستالينية حافظ الاسد في سوريا، في حين ان الستالينيين الصغار في لبنان يهمون بمحاولة اعادة عقارب الساعة الى الوراء، واخضاع البلاد لمنطق اسوأ حيث الشمولية الدينية المذهبية تتقاطع مع عصبوية مافيوية يخضعها لاجندة "امبراطورية" تهدف في ما تهدف الى اختراق المشرق العربي في قلب مجتمعاته. في لبنان يمثل هذه الحالة المخيفة "حزب الله". في سوريا شعب ثائر في سبيل استعادة حريته وكرامته المهدورتين في "جمهورية حافظ الاسد"، وفي لبنان قسم من اللبنانيين يستطيب السجن، لا السجن الكبير بل الصغير، ينسى ان الكرامة لا تشرى بالتبعية العمياء. في سوريا يقتل مئات الثوار الابطال ليصنعوا لبلدهم مستقبلا افضل من العقود الاربعة الاخيرة، وفي لبنان يموت لبنانيون من اجل اعادة البلاد الى قروسطية مظلمة !
كم كان حزينا مشهد لبنان بموقفه في مجلس الامن. وكم كان في غربة عن معنى وجوده في الاصل. وكم كان معيبا ذلك الموقف الذي املاه تحالف "حزب الله" مع النظام في سوريا من جهة، والتصاق رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الوثيق بالرئيس بشار الاسد لكونه اتى الى رئاسة الحكومة ترجمة لانقلاب "قانوني" نفذه النظام في سوريا مع "حزب الله". وكم كان مشينا ان يقف لبنان، أول ديموقراطية في العالم العربي، وملجأ الاحرار في هذا الشرق المظلم بجانب نظام يقتل شعبه ليبقى. ولولا وقوع لبنان الرسمي في قبضة "حزب الله" لما حصل هذا، وخصوصا ان الاعضاء الاربعة عشر وافقوا على صيغة البيان الذي يدين قتل المدنيين في سوريا. ولعل هذا ما يستدعي مستقبلا البحث في الاسس التي تقوم عليها الشركة الوطنية. فمن الواضح تماما ان لبنان هو لبنانان. وان ثمة فريقا لا يستهان به لا يؤمن بمعنى لبنان الحرية، والكرامة، وحقوق الانسان، والديموقراطية والتعددية. ولذلك ليس جائزا الاستمرار في التعامي عن حقيقة مؤلمة مفادها ان فريقا في لبنان يعيش في وعيه وضميره وتحسسه في مكان آخر على اكثر من مستوى. والسؤال: اذا لم يجمعنا مبدأ الحرية والكرامة الانسانية فماذا يجمعنا في لبنان؟
من المسلّم به انه يستحيل الاستمرار بهذه الحالة، التكاذب في ما بيننا. وغدا سيتحرر السوريون من كابوس "جمهورية حافظ الاسد"، وبالتأكيد لن يعود من المقبول ان يبقى لبنان محكوما من ميليشيا فئوية مافيوية الطابع مستتبعة لاجندة خارجية وتحتمي بالدين وبالعصبيات المذهبية المحلية لتغذي مشروعا مدمرا للبنان وكل اللبنانيين. في سوريا ثورة حقيقة، لن تتوقف قبل ان تدفن "جمهورية حافظ الاسد" ليحل مكانها سوريا الحرة. وفي لبنان ثورة على الذات يجب ان تقوم لاستعادة معنى لبنان التأسيسي وانتزاع بلاد الارز من عصر الظلمات والمافيوية المسلحة. والاهم ان ننتهي من مرحلة المنافقين، الوصوليين وناهشي الجيف لأنهم عار على البلد!