كل هذه الأنظمة العربية التي تواجه شعوبها بالنار والحديد والمجازر والقصف والقتل تزعم ان ما يجري عندها من ثورات هي مؤامرة. فجأة تشعر، عندما تسمع قادة هذه الدول وأبواقها ومخبريها ومثقفيها التافهين، وكأن العالم اجتمع سراً… وحبك مؤامرة عليها. وأن العالم، شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، يريد "إسقاطها" إما لأنها "ممانعة" (أين ومتى وكيف). وإما لأنها تدافع عن "القيم" الإنسانية والديموقراطية (!) ودليلها على ذلك ان الغرب غير مرتاح لقوتها ولا لسيادتها ولا لنموها ولا لعلمانيتها ولا لمدنيتها، فأفلتَ الأصوليين والقاعدة والعصابات المسلحة والعملاء والمأجورين والمجرمين لنشر الفوضى وبث الفتنة وإذكاء الطائفية والمذهبية وصولاً إلى التقسيم. وهي أن هذه الأنظمة تدافع عن وحدة البلد، وعن أهله، بالأساليب الديموقراطية المتاحة. بل انها توحي كأن المجازر التي ترتكبها، ارتكبها "الشبيحة"، أي العصابات المسلحة وهي انما تدافع عن الناس وأرزاقهم وتبعد خطرهم وتؤمن سلامهم. هذا ما نطق به الرئيس مبارك قبل سقوطه. وهذا ما سبق ان عبر عنه بن علي قبل هروبه، وهذا ما يعزفه القذافي مع أبنائه وفتيانه، متهماً القاعدة والولايات المتحدة وأوروبا بمحاولة خلعه. وهل ننسى الرئيس اليمني وادعاءاته… هذه المزاعم ليست جديدة، بل هي استمرار حثيث لذهنية هذه الأنظمة التي عاشت واعتاشت على "ثقافة" المؤامرة، وقمعت بها، وقتلت واستبدت وطغت على امتداد عقود. والنظام السوري لا يشذ عن هذه القاعدة "الذهبية" للبروباغندا المضللة.
هذه الأنظمة المتساقطة كجبال من النفايات، هي سليلة التجارب الاستبدادية الشمولية الرهيبة. من النازية (هتلر وبوقه الإعلامي غوبلز)، والستالينية (ستالين وبوقه الإعلامي جدانوف) والصهيونية (وأبواقها الغربية لا تحصى ولا تعد) والماوية وصولاً إلى دكتاتوريات أميركا اللاتينية والعالم الثالث. إنها سلالة واحدة انجبت ما انجبت من طلاب نُخباء في عالمنا العربي، بزّوا "أساتذتهم" وأقرانهم في الطغيان والهيمنة وضرب كل القيم الإنسانية والإجتماعية والسياسية. تفوقوا على كل من اختزلوا شعوبهم وأذلوها وقمعوها وهجروها وأبادوها. من هنا تبدأ المؤامرة ومن هنا يبدأ التواطؤ. المؤامرة الكبرى التي لا مثيل لها في استيلاء هذه الأنظمة على السلطة بقوة السلاح والانقلابات متخذة من كل تلك الظواهر التي أشرنا إليها (الاستبدادية) نموذجاً احتذته ثم عمقته وشرَّشته، فحلَّتْ محلَ شعوبها، ومؤسساتها وبرلماناتها وحكوماتها لمصلحة الطاغية الأكبر، أو "الأخ" الأكبر أو القاتل الأكبر ، وصولاً إلى اللص الأكبر والفاسد الأكبر.
المؤامرة إذاً تتمثل في وجود هذه الأنظمة أصلاً وفي استمرارها واكتسابها شرعية "داخلية" بالتزوير، والعسف وقاعدة 99,99%: أو البيعة المطلقة الأبدية للزعيم المطلق الأبدي "من الأبد إلى الأبد" (صدام حسين نال في آخر استفتاء قبل سقوطه مئة بالمئة من الشعب العراقي). والقاسم المشترك (الموروث) ان تُعدَّل الدساتير وتحجب عن موادها وبنودها كل تعددية: فالحزب الحاكم هو قائد الأمة، فكأنه حزب الله المختار. أو كأن الإرادة الإلهية المتجسدة في القائد. حزب واحد للقائد الواحد للصوت الواحد. للرأي الواحد وللصمت الواحد.. وهل هناك مؤامرة على الشعب العربي أكبر من ذلك؟ وهل هناك بلية أشد من استمرار هذه النماذج الطغيانية؟
لكن الغريب ان أنظمة الجنرالات في أميركا اللاتينية وحتى في أفريقيا من دون أن ننسى سقوط الستالينية في الاتحاد السوفياتي ومنظومته الشيوعية وسقوط جدار برلين الذي ارتفع على سقوطه أفق عالم جديد، الغريب ان كل هذا العالم القديم انهار، وبقيت منظوماتنا العربية الاستبدادية وارثة ذلك التاريخ الرهيب.
ومن أسباب استمرارها وجود اسرائيل والكيان الصهيوني وكما فعل الغرب (لا سيما الولايات المتحدة الأميركية) في دعم الأنظمة الدكتاتورية في أميركا اللاتينية وأفريقيا لظنه ان العسكر أجدر بضرب الحركات اليسارية والشيوعية في زمن الحرب الباردة وتواطأ مع جرائمها، بل وحماها ودعمها، فقد ارتكب الجريمة نفسها عندنا، عندما سوَّى أمور هذه الأنظمة الانقلابية العربية، ودفعها إلى خيانة القضية الفلسطينية، وحيّدها عن الصراع، وصفّى المقاومتين اللبنانية والفلسطينية في لبنان وسواه. وليست مصادفة ان يترادف ويتواكب انشاء الكيان الصهيوني مع صعود هذه الأنظمة "الثورية" في العالم العربي: عالمان كان من المفترض أن يتواجها، أو أن يتصادما، لكن التصادم كان مرحلة لتحّل بعدها المرحلة الرمادية، أي مرحلة نقل الصراع مع اسرائيل إلى صراع مع الشعوب العربية. ومنذ 1973 استقالت هذه الاستبداديات المعسكرة من مهمة استرجاع فلسطين أو الجولان أو حتى الجنوب اللبناني. ذهبت المواجهة وبقيت الشعارات: "جبهة الصمود والتصدي"، "دول الطوق"، "الممانعة"… لا شي! وكان لبنان (وفلسطين طبعاً) من الضحايا الاساسيين في هذه الصفقات بين الغرب (أميركا) وبين هذه الأنظمة التي كان تجدد حضورها عندنا متمثلة بالوصاية السورية الإيرانية متحالفة مع دمشق لتأسيس قوة مضافة تقاوم إسرائيل من الجنوب اللبناني، (وليست على أرضها) أو من أرضها لتستفردا بقرار الحرب والسلم تبعاً لمصالحهما ومقايضاتهما. وضمن هذه الاتفاقيات المعلنة أو التحتية، تمتعت الأنظمة العربية بحرية مطلقة في استعمار شعوبها، بعدما أَمنَّتْ إما تغاضياً من الغرب واسرائيل وإما تواطؤاً، وإما مشاركة، باعتبار ان هذه الأنظمة الممانعة وضعت القضية الفلسطينية وراءها، وشلّت المواجهة لاسترجاع الأراضي المحتلة، وبقي الجولان كبحيرة ساكنة على امتداد ثلاثة عقود، كأنما "حلف" شيطاني عقد بين طغاتنا وطغاة بني صهيون، تخريب الأمة العربية والدولة العربية وعقيدة الجيوش العربية وتدمير المجتمعات المدنية وبنياتها وهيكلياتها وأحزابها… اكثر: كان على ممارسة كل هذه الإلغائية على مستوى الدولة، والحقوق المدنية والانسانية، ان تُجوَّف الكيانات العربية من تواريخها النهضوية لتحطم الدروع الثقافية والفكرية لمواجهة العدو على أساس ثقافي وسياسي. ولهذا وبعد ان دمرت الوصايات المتعاقبة على لبنان، مثلاً، خصوصاً الوصايتين الإيرانية والسورية، كل خطوط الدفاع القومية والعروبية والتغييرية والتنويرية، انقضت على كل المرافق العسكرية والاقتصادية لتكتمل دائرة الخراب، فتكون اسرائيل هي الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق بزعم الغرب التافه، بعدما قال إن لبنان كان يلعب هذا الدور. وعلى هذا الأساس انهارت المواجهة الثقافية والحضارية وحتى السياسية بعدما انهارت المواجهة العسكرية. والنتيجة أن اسرائيل في ظل هذه الأنظمة (سواء باتفاقيات أو بدون اتفاقيات، سواء بممانعة مزيفة أو بممانعة شعاراتية) ترسّخ أكثر الكيان الصهيوي في موازاة ترسخ الأنظمة الاستبدادية. وكأن هذه "الإتفاقية" (السرية) هي أخطر من اتفاقيات معلنة كمثل كامب دييد… وغيرها! لأن هذه الاتفاقية "التحتية" بين الغرب واسرائيل من جهة وهذه الأنظمة العربية الفاسدة أطلقت يد العدو في توسيع المستوطنات وتهويد الجولان والقدس والقيام بعدوان على لبنان في 1979، و1982 و2006 وإستباحة كل القيم واستغلال هذا الحضور السياسي الهش والمتواطئ للأنظمة لفرض التطبيع بدءاً بالدول… وانسحاباً على الشعوب: كأن اسرائيل مستفيدة من نظرة الطغاة لشعوبهم كقطعان، أرادت ان تتعامل مع الفلسطينيين واللبنانيين بالطريقة ذاتها! واللافت أن هذه الأنظمة لكي تجدد استعمارها لبلدانها، اخترعت، بمساعدة اسرائيل والولايات المتحدة ما يُسمى الخطر الأصولي الإسلامي في المنطقة العربية وأبعد منها (والأصوليات الإسلامية والمسيحية صناعة أميركية أصلاً لا سيما بن لادن والقاعدة وصولاً إلى طالبان)، لجعلها "فزاعة" أمام الغرب (لا سيما بعد 11 أيلول) وحروب افغانستان والعراق وذريعة لاستبقاء الغرب هذه الأنظمة لمحاربة "الإرهاب" من جهة، وتمويه الإرهاب الصهيوني من جهة، وكذلك إرهاب الدولة العربية. ولكي تستوي هذه المعادلة الإرهابية المتبادلة، شوّه طغاتنا وبعض "مثقفيهم" (مجرد مخبرين) صورة شعوبهم أمام العالم استجابة لصورة الغرب التقليدية والاستشراقية ليتم لقاء الصورتين المشوهتين للعرب: الصورة الغربية الصهيونية، وصورة الحكام عنهم هذا الاجتماع المريب لتأكيد فكرة التخلف والقطعان والجهل والعنف والخطر والاستسلام والتوكل الأعمى والخضوع وصولاً إلى الإرهاب يشكل لبّ المؤامرة على الشعب العربي. وهذا ما استخدمه الاستبداديون لتسوّلُ شرعية لقمعهم وغطرستهم وجرائمهم، وهذا بالذات ما استخدمته اسرائيل مشحونة بمشاعر الاحتقار والفوقيةَ لإستباحة الأراضي العربية وتوسيع مشاريعها الاستيطانية. فالمؤامرة هنا مزدوجة. أكثر: ان تعميم النظرة الدونية للعرب من قبل "حكامهم" شكل ذريعة أو دافعاً لنقل السلطة من الحزب الواحد (وأحيانا بجبهة عريضة وهمية)، فإلى المنطقة، فإلى العائلة "الثورية" الواحدة. فهذا الشعب العربي المكون من مئات الملايين عاجز عن انجاب قيادات منبثقة منه لأنه عاجز وعاقر ودوني. وعلى هذا الأساس حلت العائلات الثورية محل الشعب، وتداولت "السلطة" بالوراثة: الآب والابن والروح القدس. "خير خلف لخير سلف"… وليقتصر دور الناس على البصم والهتاف والتصفيق والبيعة المطلقة. ومن منطلق لقاء المصالح بين هذه العائلات المقدسة (من الأبد إلى الأبد" بالروح بالدم نفديك…) وبين الغرب لا سيما أميركا وتابعها اسرائيل، فقد دامت المؤامرة قرابة خمسة عقود، ارتاح فيه الطغاة على اوضاعهم الداخلية (القمع والفساد) وعلى أوضاعهم الخارجية (السكوت والاستغلال والاستزادة).
وعندما نجد اليوم وبعد اندلاع الثورات العربية، مدى التواطؤ الأميركي والأوروبي وصولاً إلى الصين وروسيا وحتى البرازيل مع هذه الأنظمة المنهارة من ليبيا إلى اليمن فسوريا… نعرف مدى الخسارة التي يشعر بها هؤلاء من احتمال فقدان "حلفائهم" التاريخيين. فأي مؤامرة أكبر وأي مساندة أعظم، مما يقدمه أوباما مثلاً لبعض هذه الأنظمة، ليكتفي هؤلاء "الحضاريون" الغربيون والديموقراطيون والمتبججون بالحقوق المدنية والإنسانية وبحرية الشعوب في تقرير مصيرها… بالاستنكار أو الشجب أو ذرف دموع التماسيح على الضحايا… من دون ان يتوَّصلوا إلى اتخاذ قرارات تنسجم مع ادعاءاتهم. وكأن الدعم الموصول لهذه الأنظمة من القوى الكبرى، ما زال مستمراً… والمؤامرة ما زالت مستمرة على المنتفضين وعلى مستقبل الأمة العربية، وطموحات شبابها بالحرية والكرامة والعدالة.
ومع هذا لا تخجل بعض هذه الأنظمة المتداعية من اتهام العالم بالتآمر عليه. أي لا تخجل من اتهام من يساندها بالتآمر عليها. أي لا تخجل من استغلال هذا التواطؤ لقتل شعوبها، وتدمير مدنها وقراها وارتكاب المجازر… دفاعاً عن نظام العائلات الاستبدادية الفاسدة.
والمؤامرة مستمرة!