دخلت الأزمة السوريّة منعطفا" جديدا" يحفل بالمنزلقات والمخاطر وينذر بتمادي العنف الى حدود قد يصبح الصراع فيها أكبر من المتصارعين أنفسهم مع تشعّب العوامل الداخلية والإقليمية والدولية في محاولة الإمساك بموقع استراتيجي ومفصلي، نظراً إلى أهمّية دمشق في الصراع المفتوح بين طهران وواشنطن من جهة وبين عدد من الشعوب وأنظمتها من جهة أخرى، في ظلّ توجّس دول الخليج وعلى رأسها السعودية من تمادي التمدّد الإيراني الذي وصل الى داخل ممالكها!
السلطة السورية اختارت بداية شهر رمضان للحسم مستفيدة من مجموعة عوامل أبرزها:
– غرق إدارة الرئيس أوباما في أزمتها المالية ولهثها لإيجاد تسوية مع الجمهوريين في شأن الموازنة وسبل إدارة كمّيات الدين الهائلة المترتّبة على الحكومة المركزية، وهي أزمة تهدّد في حال استمرارها بوقف معظم الأنشطة الحكومية وتعطيل رواتب الجيوش الأميركيّة وصولا إلى موظفي البيت الأبيض أنفسهم.
– إنشغال تركيا بالنزاع بين السلطة السياسية والجيش في ضوء الاستقالة غير المسبوقة للقيادات العسكرية.
– حال الترقب والتجاذب التي تسود داخل أروقة صناعة القرار السعودي مع غموض حال وليّ العهد الأمير سلطان الصحّية وتعيين الملك عبدالله نجله عبدالعزيز نائبا لوزير الخارجية برتبة وزير بعد تعيين نجله متعب رئيسا للحرس الوطني وإعفاء الأمير عبدالعزيز بن فهد من صلاحياته في مجلس الوزراء.
– انشغال العالم العربي والإسلامي باستقبال شهر رمضان الذي يشهد عادة انخفاضا ملحوظا في نسبة العمل الدبلوماسي والسياسي.
وبالطبع شكّل هذا التوقيت مفاجأة للشارع السوري الثائر الذي كان يعتبر أنّ رمضان سيمدّه بالزخم نظرا إلى مجموعة اعتبارات دينيّة واجتماعية.
وترقّبا لوضوح الصورة الميدانية وتبيان مدى قدرة القوى الأمنية السورية في "تحييد" ناشطي الثورة ووقف التظاهرات الضخمة واستعادة السيطرة على عمق المدن التي كانت وحتى الأمس القريب خارج سيطرتها وأبرزها حماة والبوكمال… تبدو حتى هذه اللحظة كلفة محاولة الحسم باهظة، فإلى جانب حصيلة الضحايا المرتفعة برز تبدّل الموقف الروسي في مجلس الأمن والتصاريح التي أعقبته من الرئيس ميدفيديف متضمّنة نوعا من الإنذار الأخير للسلطة السورية إضافة الى حسم واشنطن خيارها نهائيّا لمصلحة التغيير والبدء في حملة تعبئة مع الاتّحاد الأوروبي للتسويق والعمل لإحداث التغيير، يضاف إليها مواقف عربية من المتوقع أن تبرز أكثر فأكثر مع توقع استمرار دوّامة العنف وسقوط الضحايا… وهنا تتركّز الأنظار على الموقف التركي الذي يستعيد وتيرة التصعيد ضدّ السلطة في سوريا بعد استكانة فرضتها عوامل داخليّة تركيّة وتوازنات العلاقات بين أنقرة وطهران.
ومع ازدياد ضغط السلطات العسكري الذي يهدف الى ترهيب المحتجّين بالدرجة الأولى، برزت مجموعة عمليات عنفية مصوّرة طاولت عناصر في القوى الأمنيّة هدفت فيما يبدو الى ترهيب مقابل في سباق يبدو العنف جامعه المشترك. وهنا أبرزت دوائر عربية متابعة للأزمة السورية عن بالغ خشيتها من تسارع دوّامة العنف والعنف المضاد في ظلّ تنامي المشاعر الطائفية والمذهبية، خصوصا مع تناقل كبريات المواقع الالكترونية والشاشات العربية لمشاهد من شأنها صبّ الزيت على نار متأجّجة أساسا، وحذّرت هذه الدوائر من انزلاق سوريا إلي حال مشابهة للعراق بدءا من المناطق المحاذية لبلاد ما بين النهرين، ما من شأنه التمدّد الى بلدان مجاورة قد يكون لبنان على رأسها … مع غياب أيّ أطُر لتسوية ممكنة أو نصر مبين وواضح في الأمد المنظور، ولعلّ الأبرز ما كشف عنه المندوب الدائم لروسيا لدى حلف شمالي الأطلسي، ديميتري روغوزين بأنّ الحلف يخطط لحملة عسكريّة ضدّ سوريا بهدف بعيد المدى وهو الإطباق على إيران التي تشهد من جهتها تناميا للأعمال الأمنية المعادية داخل أراضيها بدءا بتصفية خبرائها في الطاقة النوويّة مرورا بتفجير مصالحها النفطية، وذلك في ظلّ صراع غير مسبوق بين الحرس الثوري بقيادة المرشد الأعلى والرئيس نجاد… فهل تتسارع وتيرة التحضيرات الأطلسية بقيادة تركيا ومباركة واشنطن وعدد من الدول العربية للتدخّل عسكريّا في بلاد الشام؟ وكيف قد تردّ إيران والحلفاء على مجرّد التلويح بهذا الخيار؟ وأين إسرائيل من كلّ ما يجري في ظلّ تحضيراتها لحرب جديدة ضدّ غزة وتأهّبها على جبهتها الشمالية؟
أسئلة كيفما حاولت الإجابة عنها تصل إلى نتيجة واحدة وهي أنّ العنف سيّد الموقف والتصعيد عنوان المقبل من الأيّام.