يرتدي الموقف اللبناني في مجلس الأمن طابعا مثيراً للاستغراب لدى أكثر من جهة محلية ودولية سارع بعضها إلى انتقاده، فيما تريّث بعضهم الآخر مبدياً تفهّماً لقرار الحكومة اللبنانية بالبقاء على الحياد لدى إدانة المجتمع الدولي "للانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان التي ترتكبها السلطات السورية"، وعلى رغم أن قرار "التحييد" لم يقتصر فقط على لبنان، بل طال أكثر من دولة عربية أو غربية، فإن أصداء التحوّل الدبلوماسي المرتكز إلى التحوّل في السلطة السياسية اللبنانية بدأت تسجَّل ميدانيا في بيروت، وتحديدا منذ الدقائق الأولى التي تلت صدور القرار الدولي. واللافت في المشهد الداخلي المأزوم أصلا بعد بروز خلاف جديد حول "إدانة النظام السوري" في مجلس الأمن، هو رفع سقف الانقسام بين فريق السلطة والمعارضة من خلال استحضار الساحة الداخلية مشهد التوتّر في الشارع، وترجمة السجالات السياسية إلى اشتباكات فعلية بين المواطنين، بصرف النظر عن العناوين والشعارات المرفوعة سواء من قبل "المعتدي" أو من قبل "المعتدى عليه".
وفي سياق تفسير موقف الحياد اللبناني، قرأت مصادر وزارية سابقة أن الحكومة تلافت الانخراط في موقف دولي "غير متحمّس" لإدانة سوريا بشكل قاطع، وبقيت في الوقت عينه على اتصال وثيق بالنظام السوري من خلال التواصل الدبلوماسي بين لبنان وسوريا وتوثيقه عمليا في الأيام القليلة المقبلة. لكنها لم ترسم أي خريطة طريق مستقبلية لطريقة مقاربتها ملفا حسّاسا على الصعيدين الإقليمي والدولي، علما أنها منغمسة في إشكاليات خطيرة نتيجة مواقفها الملتبسة من المحكمة الدولية الخاصة بلبنان. ووجدت هذه المصادر، التي كانت لمرحلة طويلة على تماس بالمؤسسات الدولية، أنّ لبنان في موقع حسّاس على صعيد ملف الأمن والحرّيات بدءاً مع عملية خطف الأستونيين وصولاً الى الإشكالات التي شهدها شارع الحمرا ليل أمس الأول. وحذّرت من أن هذه المظاهر تعيد السلطة إلى مربّع قديم هو "الوصاية الأمنية" على كل المؤسّسات المدنية وعلى الإعلام والحرّيات العامة، وتحوّل بالتالي الأنظار عن القضية المحورية التي يخوضها لبنان اليوم في صراعه مع إسرائيل في البحر كما في البرّ، بفعل التعدّيات الإسرائيلية الأخيرة. وأضافت أنّ كل هذا يتمّ والإرباك يتزايد إزاء التحضير لبدء المحاكمات الغيابية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وغياب ملامح أيّ تسوية حتى الساعة على حد قول مطّلعين على القضية قد تؤدي إلى تأجيل بدء المحاكمات، وخصوصا مع انتهاء المهلة المعطاة للبنان لتسليم المتّهمين بهذه الجريمة إلى المحكمة الدولية.
وفي هذا المجال، فإنّ دقّ ناقوس الخطر الذي بادر إليه النائب وليد جنبلاط بالأمس، يشير بوضوح إلى أن طرفا أساسيا في معادلة "الأكثرية" بدأ يضع إصبعه على الجرح واستشرف ملامح مرحلة وصاية خطيرة ولو مقنّعة، فخرق قراره بالاعتكاف عن الكلام والتصريح في لحظة إقليمية حساسة جدا. فالحكومة الحالية ترفع عنوان العمل ويطلق أكثر من وزير فيها الدعوات إلى المصالحة، ولكن ورشة العمل التي بدأت اعتبارا من يوم الثلثاء الماضي فشلت في ترجمة هذه العناوين، بل على العكس كرّست واقع إلغاء الديمقراطية بكل تفاصيلها والتوجّه نحو تكوين سلطة سياسية وأمنية سبق أن ثار عليها اللبنانيون في 14 آذار 2005، فباتت وكأنها تعدّ العدّة للحرب فيما بدأت الشعوب العربية تعود منها.