منذ العام 2005 والتعيينات الإدارية في الفئة الأولى لم ترَ النور، والسبب كان "أنّها تتطلّب إجماعا وطنيّا". إجماع لم يعد مطلوبا عقب نيل الحكومة الحالية ثقة المجلس النيابي، فاستكمل ما كان مجمّدا عقب الانسحاب السوري في نيسان الـ2005 "بالتقسيط" سبيلاً للفرار من حرب تنازع المناصب والتجاذبات السياسية بين فريق "كلّنا للوطن".
تبدأ رواية التعيينات من قضية تعيين مدير عام جديد للأمن العام والكلام الذي قيل عن ضرورة استعادة هذا الموقع للطائفة المارونيّة التي حُرمت منه؛ فأطلقت الوعود لرأس الكنيسة المارونية باستعادة المركز، ولا سيّما من قِبل منظمي "حملة استعادة حقوق المسيحيّين" الذين ما انفكّوا ليل نهار يتكلّمون عن ضرورة استرجاع المركز الأمني المذكور، والعمل بشكل دؤوب على تفعيل الدور المسيحي في الإدارة الرسمية. وهنا تبدأ الرواية التي حالت دون نجاح الأمر.
رواية تقول، وفق مصدر سياسي رفيع، إنّ رئيس الجمهورية اقترح اسم "ضابط كبير" مقرّب جدّا منه (ماروني) لتعيينه مديرا عامّا للأمن العام لِما له من صفات مناقبيّة عسكريّة ومهنية يتمتع بها، إلى جانب نجاحه الباهر في وجوده على رأس أحد الألوية العسكرية. نجاح خلق له احتراما ملحوظا لدى الأطياف السياسية، الأمر الذي يسهّل تمرير تعيينه بسلاسة، وبالتالي يعود المركز إلى الطائفة المارونيّة بالإجماع.
إلّا أنّ فصول تلك الرواية تنتهي بطريقة سيّئة، "وكأنّها لم تكن"، إذ تكشّف أنّ الاقتراح الرئاسي ضرب عبر عدول العماد عون عن مطالبته استعادة المركز للطائفة المارونية، والقول إنّ التوقيت الحالي غير مناسب لهذا الطلب.
تنتهي رواية المصدر هنا، لتبدأ أخرى من النوع عينه، إنّما على مسرح مطار بيروت وليس العدلية هذه المرّة، حيث الأنظار تتّجه الى مركز رئيس جهاز أمن المطار. ذلك الموقع الذي بسبب محاولة تغيير رئيسه في 5 آيّار 2008 اندلعت شبه حرب طائفية في بيروت والجبل لا تزال تداعياتها تسيطر على مفاصل الحياة اليومية حتى اليوم. موقع يقال إنّ المقاومة لن تقبل بتعيين من هو غير شيعي في رئاسته، إلّا أنّ رواية المصدر السياسي الرفيع تؤكّد أنّ العميد غسان سالم سيعيّن في رئاسته، نافيا ما يشاع عن صدور قرار بتعيينه ارتطم بـ"اعتراض أحدهم".
الرقمان الصعبان
وتكرّ سبحة الروايات في فصل من فصول تلك المسرحيّة السياسية المستمرّة منذ ولادة الـ"كلّنا للوطن" ليقرأ المواطن ويسمع بشجار سياسي حول مصير اللواء أشرف ريفي والعقيد وسام الحسن بين مُطالب بتنحيتهما وآخر بإبقائهما على رأس كلّ من المديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي وفرع المعلومات.
وهنا تجدر الإشارة الى ما كان قد سرّب ونشر قبل أيام قليلة عن أنّ رئيس دولة إقليمية تمنّى على وزير حالي زاره مؤخّراً في قصره الرئاسي الطلب من رئيس تكتل نيابي تخفيف الضغط على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي سنّياً وشمالاً، وبالتالي الكفّ عن إحراجه من خلال الإصرار على إقالة ريفي والحسن عِلماً أنّ أحد الوزراء البارزين في التكتل المذكور أكّد قبيل أيام قليلة ألّا عودة الى إقالة ريفي والحسن "ولو اعتمد التصويت".
وهنا يذَكّر مصدر أمني بما قاله رئيس الحكومة نجيب ميقاتي حرفيّا في هذا الإطار فور تكليفه: "أنا من أتيت بريفي" كما أنّ موضوع الحسن، يتابع المصدر، يبدو أنّه دقيق للغاية، نظرا لقيام الفرع بكشف سلسلة من الشبكات المتعاملة مع إسرائيل، "وقد يكون تغييره غير مناسب ولا تتحمّله الأحزاب الداعمة لرئيس الحكومة، ولا سيّما أنّ تغيير رئيس الفرع يعني توقف عملية تعقب الشبكات المتعاملة مع العدوّ الإسرائيلي".
ويرى المصدر أنّه في انتظار التطورات الإقليمية (التي ربّما لن تكون لصالح الحكومة الحاليّة)، سيتم التريّث في مسألة الاقتراب من قيادة فرع المعلومات عبر تشكيلات إداريّة.
وإلى جانب أمن المطار والأمن العام وقوى الأمن الداخلي مع فرع المعلومات، هناك إدارة السير "الميكانيك"، حيث تفيد المعلومات أنّ التوجّه هو لتعيين نجل اللواء الشهيد فرانسوا الحاج، إيلي الحاج مديرا عامّا، أمّا في الجمارك فيبدو أنّ اسم العميد عبدالله جريدي هو الأوفر حظّا، في حين يطرح اسم شكيب خوري كمحافظ على عكّار، وزياد شبيب لمحافظة بيروت.
قبل أيّام قال أحد النوّاب الفاعلين ضمن حملة "استعادة حقوق المسيحيين" إنّ مسألة حقوق المسيحيين في التعيينات الإدارية تتطلّب وقتا من أجل تصحيح الخلل الحاصل، والذي أنتجه اتّفاق الطائف، على حدّ تعبيره.