حين اصدر النائب وليد جنبلاط بياناً الاسبوع المنصرم على اثر الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء، محذراً من ان الحريات الاعلامية توازي بأهميتها الحريات السياسية، وانه "قد يكون مفيداً لبعض الشخصيات الوزارية ان تتذكر ذلك المبدأ"، بدا كأنه يمنع الحكومة من الانزلاق الى مكان خطر قد يؤدي بها الى وضع صعب عليها وعلى البلد. ومع ان تحذيره شمل ايضاً حق التظاهر السلمي، فان الحكومة لم تحسن التعامل مع ما جرى في الحمرا ومع مظاهر أخرى تمس بالحريات العامة، الامر الذي تجلى في المؤتمر الصحافي الذي عقدته احدى عشرة منظمة دولية ومحلية في مقدمها منظمة العفو الدولية وهيومان رايتس ووتش وطالبت فيه بحماية المدافعين عن حقوق الانسان على اثر التعرض للناشط الحقوقي سعد الدين شاتيلا، في حين ان وزراء في الحكومة انتقدوا ما جرى من منع التظاهر وعدم القدرة على حماية حق التظاهر في بيروت امام السفارة السورية وتعرض متظاهرين للضرب.
مصادر ديبلوماسية في بيروت لم تكن تود ان ترى الحكومة اللبنانية برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي تواجه اموراً كهذه على هذا النحو وبهذه السرعة، اذ ان الحكومة بدت مرتبكة ازاء هذه التطورات في غياب اي موقف رسمي على مستوى اي من رئاستي الجمهورية والحكومة مما وفر للمعارضة اوراقا قوية على هذا الصعيد، لأن المعارضة المتمثلة بقوى 14 اذار لا يمكنها السماح بعودة الامور الى الوراء لجهة عودة ممارسات امنية او مخابراتية. وسبق ان كان افرقاء في الحكومة الحالية في هذا الصف سابقا بمن في ذلك الرئيس ميقاتي بالذات ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وحتى رئيس التيار العوني حين كان ضد نظام الوصاية السورية في لبنان وقبل انتقاله الى الضفة الاخرى. وهذه الممارسات تساهم في وضع الحكومة اللبنانية تحت المجهر، وخصوصاً ان مواجهة اي مظهر يتصل بحقوق الانسان الى كونه يشكل مكسباً مبدئياً لاي معارضة في اي وقت، فان هذا الملف هو في ذروة توهجه راهناً مع الاستنفار الدولي ازاء ما يجري في حق الشعب السوري من جهة واضطرار الحكومة اللبنانية في ظل التمييز بين النظام والشعب السوري كون النظام لم يعد يختصر بكلمة سوريا فحسب، الى الظهور في موقع الداعم للنظام.
وهو الأمر الذي يقود الى الارباك الآخر الذي واجهته الحكومة في موضوع التصويت في مجلس الامن ازاء ادانة عمليات القمع الجارية للشعب السوري. فمع ان هذه المصادر تعتبر ان هذا الموقف يمكن ان يكون أفضل ما كان يمكن لبنان ان يقوم به في ظل الوضع الذي يجد نفسه فيه، فان الحكومة بدت مربكة في تبرير موقفها ولم يكن هناك مدافعون فعليون عن سياستها في هذا الاطار من ضمن الحكومة في مقابل المآخذ التي قدمتها المعارضة بما سهل انكشافها المبكر امام هذه الاخيرة، خصوصاً ان وجهة النظر التي عبرت عنها المعارضة في موضوع ادانة ما يتعرض له الشعب السوري تجد صدى عالمياً وعربياً لها على نحو لا يمكن الحكومة مواجهته في اي شكل من الاشكال وتجد نفسها محرجة ازاءه.
فهل دخل لبنان زمن بدء وقوعه تحت وطأة التداعيات السورية التي يحذر منها كثر منذ بدء الثورة الشعبية في سوريا من باب انقسام اللبنانيين حول الموقف اللبناني الرسمي في مجلس الامن؟
ينبغي الاقرار وفقاً لما تقول مصادر ديبلوماسية ان جانباً كبيراً من اسباب عدم اثارة ضجيج كبير حول ما جرى في لبنان لجهة اسقاط الحكومة السابقة وتأليف حكومة وصفتها دول مهمة كالولايات المتحدة، بأنها مخيبة للآمال، ان احداً لا يرغب في توتر في لبنان في ظل تصاعد التطورات السورية، ولادراك مدى تأثير ما يحدث على لبنان في حال تطور الوضع السوري في اي اتجاه ذهب وتفضيل ان يكون حكومة في لبنان بالحد الادنى من اجل ادارة ما يمكن ادارته في مرحلة انتقالية صعبة وحساسة.
وتعتبر هذه المصادر ان لبنان بدأ يشهد بعضاً من التداعيات السورية منذ انطلاق الاتهامات عن تورط افرقاء لبنانيين في الاحداث السورية لدى انطلاقها في 15 آذار الماضي، ومن ثم لدى لجوء عدد كبير من النازحين السوريين الى المناطق اللبنانية في الشمال واعادة بعض الجنود الذين هربوا الى لبنان وتسليمهم الى سوريا. ولا يعتبر الموقف اللبناني الرسمي في مجلس الامن من التداعيات المباشرة لما يجري في سوريا بمقدار ما يسجل في اطار الخلاف اللبناني الداخلي بين فريقي 14 و8 اذار على ثلاثة ملفات اساسية هي المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسلاح "حزب الله" وسوريا. ويمكن ان يعتبر التجاذب حول هذا الموقف في اطار الصراع الداخلي في ظل مواجهة واضحة بدأت منذ ما قبل انطلاق الحكومة في عملها وما بعده. اذ تحاول قوى 8 آذار ان تنأى عن هذه الملفات وتحيد الانظار عنها في اتجاه محاولة اعداد سياسي وشعبي للتحكم في مفاصل الحكم من جهة وتمهيدا للانتخابات المقبلة من جهة اخرى من خلال ابراز انجازات خاصة على غرار اقرار قانون الحدود البحرية في مجلس النواب، من اجل اظهار ان العمل المجدي بدأ مع هذه الاكثرية في انكار لاي مجهود انجزته او قامت به الحكومات السابقة. وهو الامر الذي يسري على موضوع الزيادات للموظفين او رديات البنزين في سباق محموم على ما يبدو لمحاولة تأسيس مرحلة جديدة قائمة على ابراز ادارة وحكم لا يعترف بما اسسته الاكثرية السابقة. في حين تحاول قوى 14 اذار ان تدير المعارضة بناء على هذه الملفات من دون ان تبعد التركيز عليها.
وعند هذا الحد فان ما يجري في الداخل اللبناني راهناً هو لعبة سياسية حادة في شد حبال وكباش قويين من حيث المبدأ، لكن بناء على خلفية اقليمية متغيرة مفتوحة على افاق خطيرة وغامضة ورهانات، اذ لدى الطرفين عين قلقة على ما يجري في سوريا باعتبار انه اياً تكن النتائج التي ستؤول اليها التطورات هناك سيكون لها انعكاسات في لبنان كما في المنطقة سواء نجح النظام في البقاء او لم ينجح، او في حال بقي قويا او ضعيفا وباي شروط، فضلا عن ان لكل حال من الاحتمالات الممكنة سيناريو مختلفاً من التداعيات على لبنان وعلى سواه. وهذا لم يبدأ بعد.