لم يصدر عن الرئيس نجيب ميقاتي أو أوساطه أي موقف من التظاهرة الأكبر في طرابلس حتى الآن، رداً على ما يتعرض له الشعب السوري من قمع دموي على يد نظام بشار الأسد. فيما كانت مصادره سريعة في الرد على بيان "الاخوان المسلمين" في سوريا والذي انتقد سلوك ميقاتي وحكومته في مجلس الأمن أخيراً. والسبب على ما يبدو أن التعليق على تظاهرة ضمت الآلاف ليس بالأمر السهل. فهؤلاء هم أبناء طرابلس الشام، اسم المدينة في التاريخ، والذي يقول رئيس الحكومة انه ممثلهم في مجلس النواب والسلطة التنفيذية على السواء. مشكلة ميقاتي، إذا لم تستخدم عبارة أخرى، انه قفز ذات يوم في بداية هذه السنة الى بحر لا يبدو انه صالح للعوم فيه.
فمن اختاراه، وهما النظام السوري و"حزب الله"، لهذه المهمة كان هدفهما فقط اسقاط الرئيس سعد الحريري. لكن الحريري عاد في بيانه الاخير من تطورات سوريا وهو الاول من نوعه لبنانياً وعربياً لينهي انتصار خصومه عليه. وما جرى مساء الجمعة في طرابلس هو أول الغيث الذي سيليه الكثير.
يحدثني صديق وهو شخصية مرموقة في طرابلس وسائر لبنان، قائلاً: "التيارات الدينية التي استدعت الألوف لينصروا شعب سوريا، تحركت في البيئة الملائمة. وعلى رغم نفوذ الرئيس ميقاتي الكبير بمؤسساته وخدماته في المدينة يواجه صمتاً مدوياً في طرابلس هو تعبير عن رفض الواقع السياسي. حتى ان موائد الافطار التي يقيمها يتحاشاها الفقراء تعبيراً عن هذا الرفض". لا أحد يظن ان رئيس الحكومة مرتاح الى ما هو فيه اليوم، ولو بدا انه مستعد لتبرير خطوة حكومته أمام مجلس الأمن. انه في الواقع في محنة لا يدركها إلا هو. في حين أن وزير الخارجية عدنان منصور أحد أعضاء فريق "حزب الله" – "أمل" في الحكومة ذاهب اليوم بسعادة الى دمشق لـ"يتضامن" مع نظامها، كما قال. فأي حكومة هذه يترأسها ميقاتي؟ أما مندوب لبنان لدى الأمم المتحدة السفير الصديق نواف سلام فقد أسعفه الحظ بأن يكون خارج نيويورك عندما انفرد لبنان دون العالم في الابتعاد عن البيان الرئاسي الذي أصدره مجلس الأمن حول سوريا. فحملت نائبة المندوب اللبناني كارولين زيادة عبء القول "ان لبنان يعتبر ان البيان موضع الجلسة اليوم لا يساعد على معالجة الوضع الحالي في سوريا، لذلك فإنه ينأى بنفسه عنه".
في نهاية المطاف، المسؤولية تقع على ميقاتي. علماً ان تاريخ الديبلوماسية اللبنانية يضم صفحة مشرقة عبّر عنها غسان تويني عندما كان مندوباً دائماً لبلاده من العام 1977 الى 1982 في الأمم المتحدة. لقد كان نداؤه الغاضب "أتركوا شعبي يعيش" من ابتكاره، وأعطى لبنان أهم سلاح في مواجهة اسرائيل هو القرار 425. وعلى رغم ان قامات ذلك العهد عالية جداً (الرؤساء الياس سركيس وكامل الاسعد وسليم الحص ووزير الخارجية فؤاد بطرس) مقارنة بهذا الزمن، فإن تويني بابداعه أقام "وزارة خارجية ثانية" في نيويورك كما ذكر. حقاً، كما قيل: لكل زمن دولة ورجال.