#dfp #adsense

مسلسل حرب الإلغاء ضد الحريري 1998 ـ 2011…”المستقبل”: سيرة “الحريرية”: مغامرة “التنقيب” عن الدولة

حجم الخط

كتب يوسف بزي في صحيفة "المستقبل":في مطلع عام 1991، كنا شباناً بين مرحلة التخرّج من الجامعة والخروج إلى الحياة. جيل يخرج من اسار الأهل إلى بناء مستقبله، مستقلاً وقادراً ومجدداً. وتزامن قلق هذا الانتقال وتحدياته، مع حدث تاريخي تمثل بانتهاء الحرب في لبنان رسمياً، وانتقال لبنان من زمن الجمهورية الاولى إلى الجمهورية الثانية، مع تجديد الميثاق وتعديل الدستور، تحت مظلة اتفاق الطائف الشهير. فبدأ جيلنا، من غير قصد أو تطوّع أو رغبة، انه هو المناط به الأخذ بلبنان إلى حياة جديدة وعيش مختلف، وأن يبث فيه علامات التجديد والعمران ويبتكر له أنماط علاقات ويخترع لنفسه ولبلده صوراً مغايرة لصورة لبنان الحرب ولبنان الماضي.

ولم يكن الحال على هذا النحو التبسيطي، فهذا الجيل كان أيضاً آخر مَن شارك في الحرب وتورّط في عنفها وطقوسها وثقافتها وسلوكها، كان جيلاً من حيرة واضطراب، إذ هو ايضاً لم يعرف من لبنان قبل الحرب سوى ما تناقله عن الأهل، وما قرأه في الكتب، وما رآه في الصور. وها هو يجد نفسه فجأة أمام استحقاق لم يتحضر له: معايشة السلم الأهلي وممارسته، واجتياز حواجز الـ15 عاماً من الاقتتال، وهدم جدران الانقطاع وتأسيس التواصل والتعارف. كان عليه أن يسلم البندقية ويبدأ بالبحث عن أدوات جديدة في معركة الحياة هذه المرة.

وفاقم من ثقل ووطأة هذا الانتقال والحيرة التي لابسته، ما أفضت إليه الحروب المتناسلة من نتائج وخبرات ثقافية وسياسية (عقائدية)، متطابقة إلى حد بعيد مع تحولات جذرية شهدها العالم بين العامين 1989 و1991، إذ في لبنان كما في العالم، سقطت الأفكار اليسارية ونماذجها سقوطاً مدوياً، وانتهت الحرب الباردة مصحوبة مع صعود ليبرالية السوق، كما انتهت حركات التحرر إلى الفساد والفشل الدولتي والتنموي، كذلك وصلت الأفكار القومية ومشاريعها إلى هاوية الديكتاتورية والحروب العبثية وتدمير المجتمعات الوطنية (توّجها غزو صدام حسين الكويت)، وكان حال خيار الكفاح المسلح قد أضحى غير عقلاني للفلسطينيين، فعدا عن فشله الميداني والسياسي، بات موضع شبهة أخلاقية إذ تناسلت منه حركات عنفية إرهابية فالتة من عقالها. أما اليمين التقليدي المحلي فانتهى إلى التدمير الذاتي منتسباً إلى مصير الفاشيات وماضيها العنصري. وكانت ترجمة ذلك لبنانياً أن شهد أهله تذرر جماعاتهم وطوائفهم ومذاهبهم إلى عصبيات متقاتلة بلا نهاية، وإلى حروب زواريب وأحياء، واقتتال أخوة وأقارب، ومذابح بين أهل القرية الواحدة.. موغلين في انهيار عمرانهم وخراب مدنهم واستحالة عيش طبيعي، فلا كانت هذه سبيلاً لـ"وحدة لبنان وعروبته" ولا "طريقاً لتحرير فلسطين" ولا "خلاصاً للبنان من الغرباء". ولهذا السبب يقال أن الحرب انتهت من التعب واللاجدوى، وليست بحسم أو بانتصار. انتهت بسبب الإنهاك واليأس أكثر مما انتهت بسبب اتفاق.

على هذا النحو خرجنا مكتئبين ومحبطين من أحزابنا وطوائفنا، بأفكار متشظية، خرجنا من دون تصور واضح للغد. ما هي ملامحه؟ ما هي الوجهة التي سنكون ولبنان عليها؟ لكن ما هو أكيد، بالنسبة إلينا، كان فعل "المراجعة". أن نقرأ ما اقترفته أيادينا، ما آلت إليه الأيديولوجيات، ما أفضت إليه "الهويات" التي صنعناها من الغرائز ومن مزيج الخوف والكراهية والعصبيات البدائية. كان علينا أن نسرد وندوّن هذا التاريخ، كي نقبض على العبرة والمعنى.

هكذا، كنا "نؤلف" من جديد، لبنانيتنا ما بعد الحرب.

في العام 1991، جاء شبان الاشرفية وجونية لـ"يتفرجوا" على شارع الحمرا والروشة ورأس بيروت. فيما شبان تلك الأحياء يذهبون لـ"استكشاف" الاشرفية والكسليك وبيت مري وجبيل. كانت هذه "السياحة" في الجغرافيا تتوازى مع سياحة أخرى: سياحة الأفكار والهويات، بخفّة وتسامح وفضول. "نحن" نقرأ ميشال شيحا وشارل مالك و"هم" يقرأون كمال جنبلاط وجمال عبدالناصر وانطون سعادة.. الخ. نحن "نتعرف" على بشير الجميل وهم "يتعرفون" على تشي غيفارا أو حتى موسى الصدر. لكن كنا سوية ندرك ان "الحقيقة" هذه المرة كانت في "الخروج" معاً مما كنا ننتسب إليه. فبات الواحد منّا هو اليميني واليساري والعلماني والطائفي والمسيحي والمسلم والعروبي واللبنانوي و"اللاأدري" وهو الحزبي السابق أو الحزبي الجديد والعابر للضفاف أو السابح الحر بين التيارات.

كانت لدينا جميعنا فكرة غامضة وإشكالية عن هذا الـ"لبنان الجديد" الذي نريد، والذي سنعيش فيه ونصنع له سلماً ونبني دولته ومؤسساته. كانت لدينا حيرة مما ستكون عليه مواطنتنا اللبنانية. من أين نبدأ سلمنا؟ من أين نبدأ البناء؟ كان السؤال ليس عن السلام.. بل عن "مشروع" هذا السلام.

في ذاك العام، نزلنا إلى الوسط التاريخي المدمر للعاصمة بيروت، تجولنا في الخرائب، عاينّا شواهد الماضي وأطلاله، وشواهد ضراوة الحرب وأهوالها. في تلك اللحظة أيضاً كنا ننظر وندرك: ان هذا الخراب في دواخلنا، إننا أبناء هذا الدمار، وإن صورة قلب بيروت هي صورتنا نحن.

جاءت المبادرة الأولى من رجل أعمال كنا حفظنا إسمه بوصفه الراعي الحقيقي و"المدبّر" لاتفاق الطائف. رجل لديه طموح مخيف وغير مسبوق: أن يتولى، وبتفاؤل مفرط، إعادة بناء وإعمار لبنان. في العام 1991 قدم رفيق الحريري التصاميم الأولية لإعادة بناء وسط بيروت.

فجأة انتبهنا أن السياسة ليست مجرد نظريات وعقائد ومبادئ، والبحث عن خصوم وأعداء ومحاربتهم إلى ما لا نهاية. انتبهنا أن السياسة هي عمل وتدبير وأفعال اجرائية، تتعلق بإدارة حياة الناس اليومية ومعيشتهم، وأسباب رفاههم وظروف سكنهم اللائقة، وسوسهم برعاية قوانين ناظمة، وتسوية المنازعات، وتوفير بيئة اقتصادية نشطة، وتأمين ازدهار دولتهم واستقرارها، وفق دستور يرتضيه الجميع. ومن هذا الانتباه بدأنا نتعرف على كلام جديد وثقافة جديدة ابتداء من "التحدي" الذي رفعه رفيق الحريري: كيف نبني مدينتنا، أو كيف نبني حاضرنا وأنفسنا. كيف نتدبر اقتصادنا وعيشنا. أي صورة نريدها لبيروت؟ وصرنا نصغي للغة الهندسية التي منها سندرك أن المعمار هو الذي سيرسم نمط حياتنا وعلاقتنا، وهو الذي سيحدد الفضاء الذي تتفتح فيه العقول والنفوس.

أدركنا حينها أن "المشروع" هو الآن بيد رفيق الحريري. في السياسة يرعى "الطائف" وفي الحياة العامة يدير ويصمم إعادة الإعمار. كان ذلك صدمة لنا. صدمة هي مزيج من خوف وريبة وجهل وسوء فهم وملاحظات وجيهة وحذر نقدي. لكننا أدركنا ان لا سجال ولا ثقافة ولا سياسة إلا في الحوار حول هذا "المشروع" تأييداً أو اعتراضاً. ولهذا السبب بات رفيق الحريري هو محور الاستقطاب أو التنابذ، هو رمز المرحلة، بقدر ما باتت تصاميمه وأفكاره وسياساته هي "المشروع".

الوصاية والاحتلال

كان كل هذا يحدث مع وجود عطبين أساسيين، أو ثغرتين فادحتين: الأولى ان لبنان تحت قبضة الهيمنة السورية، والثانية ان جنوب لبنان ما زال يرزح تحت الاحتلال الإسرائيلي، فيما المقاومة المسلحة لهذا الاحتلال أصبحت حصرية قسراً بيد "حزب الله"، ذي التبعية الايرانية والحليف الاستراتيجي للنظام السوري.

ظن رفيق الحريري حينها أن هاتين الثغرتين سيكون تجاوزهما سريعاً، إذ ان وعود "السلام الإقليمي" كانت شديدة الإقناع، وكانت مناخات مؤتمر مدريد للسلام، تبث شعوراً في العالم بأن نزاعات الشرق الأوسط اقتربت من خاتمتها السعيدة، وأن روح التسوية تسيطر على المنطقة. ولذا فإنّ ظنّ الحريري كان واقعياً وغير استثنائي. لكن بغض النظر عن ذلك، كنا نبتدئ حياة ثقافية وسياسية جديدة بوعي جديد غير مصقول. كان الرئيس الحريري صاحب الخطة التي برأيه ستبدد الهواجس، وكان يتأمل تحولات العالم ويقرأها من ماليزيا إلى الصين إلى البرازيل والهند، وبالطبع مروراً بتجربة دبي وهونغ كونغ، باحثاً عن "الدور" الذي يناسب لبنان في المشرق العربي وعلى الشاطئ الشرقي للبحر الأبيض المتوسط.

من أجل ذلك، راهن على قلب المعادلة، فبدلاً من أن تتحول السياسة بنفسها، وبدلاً من انتظار السلام، وبدلاً من انتظار ذهاب "الوصاية" و"الاحتلال"، كان يرى بأن خلق وبناء واقع جديد هو الذي سيبدل بالسياسة، وهو الذي يؤسس السلم، وهو الذي سيتخلص من الوصاية والاحتلال. هذا الواقع الجديد كان عماده التأثير العميق في حياة اللبنانيين: إعادة البناء والإعمار، بمعنى آخر، كان الإقتصاد هو الباب الفعلي الذي على لبنان اجتيازه للإنتقال من زمن الحرب والتهيؤ للقرن الواحد والعشرين.

كان لبنان ما زال تحت وطأة الانهيار المالي الذي شهده في منتصف الثمانينات. كان إفقار الدولة والمجتمع قد وصل إلى حال الشلل. إذ في سنوات قليلة انخفض سعر العملة المحلية من نحو أربع ليرات مقابل الدولار إلى نحو ثلاثة آلاف ليرة مقابل الدولار الواحد, هكذا ابتدأ السلم مع حكومة يرأسها عمر كرامي (1991) ما لبثت أن استقالت تحت وطأة اضطرابات وأعمال احتجاجية، فتم تعيين رشيد الصلح رئيساً لحكومة انتقالية تولت تمرير انتخابات نيابية هندستها الوصاية السورية.

في خريف العام 1992 سيترأس لأول مرة رفيق الحريري الحكومة، لتبدأ فعلاً تلك الورشة التي كان يخطط ويعد لها الإمكانيات والادارة. بعد تجربة حكومية أولى مشجعة، سيعاد تكليفه برئاسة الحكومة مع تصاعد ثقة الناس به وإيمانهم بقدرته على الحد من تدهور الليرة. فسعى ونجح بتثبيت سعر صرف الليرة مهما كلف الأمر، وعلى الرغم من الأعباء الهائلة التي نتجت عن ذلك على احتياط مصرف لبنان، وعلى الرغم من ان المساعدات التي وعدت بها الدول لم تصل إلا بالتقتير وأقل بكثير من الوعود، لكن كان القرار أن أي ثمن أفضل من توقف "الورشة". فهذا التوقف سيسبب إنهياراً إضافياً من الصعب التعافي منه.

نشأ عن ذلك واقع جديد: مشروع رفيق الحريري وورشته (من البنى التحتية إلى التعليم والصحة إلى القوانين الجديدة..) يخضعان لجشع وابتزاز الطبقة السياسية في لبنان ورجالات النظام السوري في آن واحد. كانت "الخوة" الباهظة هي الضريبة الباهظة التي على الحريري (على لبنان واللبنانيين) أن يدفعها من أجل مشروع النهوض.

وأول سوء فهم بيننا نحن المواطنين المرتابين وبين الحريري، انه كان "يصارع" و"يساير" أمراء الحرب (السياسيين الجدد) و"ضباط الوصاية"، في حين كنا نرى الأمر بوصفه "حلف المال والميليشيات". ومن سوء الفهم هذا كنا نستأنس معارضة تتقاطع مع معارضة "مسيحية" كانت طالعة من الاحباط ومن خيبة الامل مع بوادر الانحراف المتعمد عن "الطائف"، بقدر ما تتقاطع مع "معارضة" رسمية تستغل شعبوياً مجموع شعارات المعارضات، وتحولها إلى ابتذال سياسي ومادة ابتزاز لحكومات الحريري. وفاقم من الصعوبات الهجوم الاسرائيلي في صيف 1993، تلاه هجوم واسع النطاق في ربيع 1996، استطاع بعده الحريري، لأول مرة، ان يجعل الدولة طرفاً في معادلة النزاع مع اسرائيل، فكان "تفاهم نيسان" بين لبنان واسرائيل، الذي وضع "قواعد اشتباك"، تتيح للمقاومة العمل بحرية أكبر، وتضفي عليها "شرعية" وطنية ودولية، وتكبل اسرائيل في معاقبتها للسكان المدنيين، أو في الانتقام بتدمير البنى التحتية… ما يفسح في المجال أيضاً للدولة اللبنانية أن تستكمل البناء واعادة هيكلة الاقتصاد وتطوير الخدمات وتنشيط السياحة وتوفير الأمن.

اختفاء "الميليشيوي" أمام حامل الشهادات

في نحو أربع سنوات، استطاع الحريري أن يغير صورة لبنان، وأن يلمس اللبنانيون في أثنائها أولى علامات انطلاق العجلة الإقتصادية. في الوقت نفسه أثمر "السجال" مع تصاميمه وخططه إلى تغيرات أساسية في "ماكيت" وسط بيروت الجديد، ليكتشف رفيق الحريري مدى علاقة المشروع بالشأن الثقافي والبعد الإجتماعي للعمران، فشرعت شركة "سوليدير" بترويج صورتها الجديدة وفقاً لفكرة الاستمرارية التاريخية للمدينة ليكون شعارها "مدينة عريقة للمستقبل"، وبالروحية نفسها أظهرت الشركة انفتاحاً على المنتقدين.

يمكن القول، أن تفاؤلية الحريري وسلوكه المجازف ومثابرته على العمل، كرجل أعمال ناجح وشديد الثقة بقدرة لبنان، تحول كل هذا إلى "نموذج"، شجع الكثير من المهاجرين والمغتربين وأصحاب الرساميل على العودة إلى لبنان، ما أضاف طاقة وحيوية على مشروع النهوض، وساهم في تكوين طبقة اجتماعية جديدة، كذلك فإن الشبان والخريجين باتوا مأخوذين بهذا النموذج، مندفعين إلى سوق عمل جديد يحقق طموحاتهم، ليشهد لبنان معهم جيلاً جديداً من الطبقة الوسطى الحديثة، التي ستجدد نمطاً من العيش والاستهلاك يسرّع من الانتعاش الاقتصادي، وكنا نرى فيهم رواد تلك المدينة التي نتصورها للمستقبل. واستطراداً، اختفى الميليشيوي من صورة الشارع وحلّ محله، الشاب المتأنق حامل الشهادات، أو ما يسمى بـ"اليوبيز" (رجل الأعمال الشاب الأنيق ببدلة "آرماني").

كان الحريري (اللبنانيون ودولتهم) ما زال يدفع "الخوة" مقابل كل خطوة أو إنجاز، من النوع الذي حدث مثلاً في إخراج "المهجّرين" من وادي أبو جميل، الذي بات، بعد دفع التعويضات المالية لمحتليه، إسمه "وادي الذهب". وهذا ما حدث مع كل مشروع كبير كان يقدم عليه رئيس الحكومة.

نجح الرئيس الحريري أيضاً من خلال مشروع "الوسط" أن يعمم "فكرة وطنية" عن العيش المشترك، عبر إعادة وصل المصالح وتوسيع واستحداث شبكة العمل والوظيفة والمشاريع التنموية والثقافية. كان اللبنانيون يخرجون من منعزلاتهم الأهلية الى فضاءات للتلاقي والتواصل والعمل والعيش معاً، والأهم اكتساب طموحات مشتركة وجديدة لملاقاة العالم، والتواصل مع أسباب الحداثة.

وهذا بالضبط كان السبب في تصاعد اعداد الأعداء، أولئك الذين من خلال استغلال النفوذ والإبتزاز والزبائنية ومجمل العادات والسلوكيات الميليشيوية، أرسوا حالاً من السياسة المافوية، التي يرعاها نظام وصاية ويتواطأ ويشارك معها، في مناوءة مشروع رفيق الحريري. كانت الأجهزة الأمنية تنمو وتتكاثر، وهي لا شغل لها سوى حبك الدسائس وتدبير المؤامرات والسيطرة على السياسيين، يساندهم جهاز المخابرات السورية.

في منتصف التسعينيات بدأ التناقض يبرز بين "إرادة" السراي الحكومية و"أوامر" عنجر، مركز الوصاية السورية. تناقض يفضي في العام 1998 إلى انتخاب العماد إميل لحود، رجل سوريا الوفي، الذي سيتلو خطاب القسم، ولا معنى فيه سوى "محاربة" الحريري، تحت عنوان محاربة الفساد. وأدرك الحريري انه بات خارج الحكم. فبدأ عهد لحود بشعار "الإصلاح الإداري" الذي عنى فحسب موجة تطهير الإدارات من كل الذين أخلصوا لمشروع "إعادة البناء والإعمار". كان القصد هو التخلص من رفيق الحريري، ووقف مسار لبنان الذي أدرك النظام السوري إنه ذاهب نحو التعافي والنهوض، وانتفاء أيّ سبب لبقاء وصايته ووجوده العسكري فيه، بل ان النظام السوري كان موقناً أن الحريري بسياساته "السرية" يعمل على إضعاف المنازعات الطائفية وعلى مصالحة المسلمين مع لبنانيتهم وعلى مصالحة المسيحيين مع أنفسهم ومع الآخرين، من اجل انتشالهم من زمن الإحباط. هذا التيقن "السوري" كان مصدر فزع، فالوصاية لا تستقيم وتستمر إلاّ عبر استدامة الحواجز النفسية والسياسية وانعدام الثقة بين الجماعات اللبنانية، وتعذّر المصالحة في ما بينهم.

بروز أجهزة القمع.. وولادة الحريرية

رغم إقصاء الحريري، كان "أثر الفراشة" (وضع حجر الأساس للمشاريع) يتحول إلى "عاصفة". فما بين 1998 و2000 كانت المشاريع وأثارها المادية والسياسية والاجتماعية والثقافية قد رسخت، ومنحت لبنان القدرة على الحضور في القرن الواحد والعشرين. أما أثر "اللحودية" فتجلى في عرقلة أعمال "سوليدير"، فأول قرارات وزير المالية جورج قرم كان وقف الإعتمادات التي كانت تخصصها وزارة المال في محيط "سوليدير"، وفي الانشاءات الاخرى التابعة للدولة. ما أدى إلى انخفاض ثقة المستثمرين الدوليين، وشهدت "سوليدير" انتكاسة كبيرة في أعمالها.

صاحب كل هذا أسوأ انتكاسة للحريات العامة والخاصة. رقابة وقمع للثقافة والمسرح والكتب والأفلام واشرطة الموسيقى، وعرف لبنان "البوليس السياسي" في أبشع صوره وأساليبه، وصل إلى حد إقفال محطات التلفزة وتهديد الصحف والصحافيين وملاحقتهم، مع عمليات خطف للمعارضين وقمع التظاهرات الطلابية وتشديد الخناق على الأحزاب المناوئة للنظام. وكانت بيروت حينذاك تعيش مناخات التهم الملفقة والشنيعة، فالناشط السياسي يسجن بتهمة "ممارسة اللواط"، والناشط الطلابي يسجن بتهمة "عبادة الشيطان"، فيما ممارسات التنصت والترهيب والابتزاز تتم على أوسع نطاق.

ونحن الذين كنا نشهد كل ما يجري ويحدث ما بين 1992 والعام 2000، كنا نكتسب وعياً سياسياً لبنانياً يرتكز على مبادئ تنحاز إلى طلب رفع الوصاية، تمكين الديموقراطية، إجراء المصالحة الوطنية، مساندة الطموحات الاقتصادية، الاصرار على لبنان أكثر ليبرالية وحداثة واتصالاً بالعالم، إنجاز التحرير وتكريس السيادة والإستقلال، الإحتكام إلى الدستور وإلى سياسة أكثر شفافية، الدفاع عن الحريات…

كانت الشعبوية التي ضللت اللبنانيين تستنفد لغتها: "لماذا الضرائب؟"، "لا نريد الديون"، لبنان "هانوي" العرب وليس "هونغ كونغ" الامبريالية. وكان بيع الخوف الذي اتقنه الجهاز الأمني المشترك اللبناني السوري بدوره يستنفد قدرته على بث التخويف. إذ ليست مصادفة أن أولى ثمار "مشروع" رفيق الحريري بروز "مجتمع مدني" لديه قدرة على مقاومة الضغوط والترهيب، فمن وسط الصحافة وتقاليدها وثقافتها العريقة، من نقابة المحامين إلى نقابة الأطباء والهيئات الطلابية وصولاً إلى "الأنتلجنسيا" البيروتية والفنانين والطبقة الوسطى الناشئة.. كلها شكلت النواة الصلبة لمواجهة مشروع "العسكرة" (متذكرين هنا مقولة الشهيد سمير قصير: "عسكر على مين؟)

من سخرية القدر، أن عهد اميل لحود، وعلى عكس ما أراده، هو الذي أطلق فعلاً "الحريرية" وصقلها. فرفيق الحريري الذي ارتضى مرغماً، وتحت سلطة الوصاية، أن لا يرسم سياسة خارجية ولا سياسة داخلية ولا سياسة أمنية ولا سياسة اجتماعية أو دفاعية أو قضائية.. محشوراً فقط في "الملف الاقتصادي"، استطاع عبر هذا الملف، وهو المدرك لذلك، أن يحفر الأنساق لتلك السياسات الممنوعة عليه. ومن ثم اضطّر مرغماً، شيئاً فشيئاً، تحت بند الشرط الإقتصادي ان يتمرد ببطء وهدوء وحذر على تلك القيود.

ولدت "الحريرية" من جهود خصومها. تبنت الحريرية مثلاً السعي للسيادة والاستقلال، لأن "الوصاية" كانت تعني استحالة "النهوض الاقتصادي" بثمن عقلاني. وعلى هذا المنوال كانت الحريرية تتكون وكانت أغلبية اللبنانيين، لأسباب متفاوتة ومختلفة، تصير مع "الحريرية"، حتى من دون التماهي مع لغة رفيق الحريري وأفكاره. وهو بالذات كان يجد نفسه "حريرياً" من غير قصد، حتى تفاجأ بانتخابات العام 2000 النيابية، التي حولته من رئيس حكومة إلى زعيم معارضة، هي الاكثرية الديموقرطية، التي ستبدأ طريق جلجلتها الدموي نحو قيامة العام 2005.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل