#dfp #adsense

آب بلا تواريخ (بقلم أرزة بو عون)

حجم الخط

يقف الزمن للحظات عند أكواع عاريا الملتوية. هناك حادثة لا يمحوها الوقت. استقبالات حاشدة للبطريرك صفير اثر عودته من زيارة الجبل التاريخية، وما هي إلا ساعات ويتحوّل مشهد الاستقبال الى مشهد اعتقال. بالجملة وعلى غفلة.

المشكلة ان المشهد بحذ ذاته لا يضنينا. بالعكس عدنا نشتهيه. هو النهم الى الحرية حتى اخر الرمق. كنا بدأنا مشوار الثورة، نمشي خلف من أشعل أول شعاع، البطريرك صفير. كنا نصرخ نقاوم الاحتلال والنظام الامني السوري- اللبناني. كانت وجوه رجال الامن بلا ملامح، أو ملامحها موحدة، كلهم رستم غزالي وذاك القاضي اللبناني الهوية عدنان عضوم، المنحوت الوجه كالفراعنة، وقمر الزمان جميل السيد. كل رجل أمن او مخابرات كان هؤلاء. حتى في عرس الاعتقالات والرفس والاهانات اللفظية والعنف، كنا سعداء. كنا نعرف اننا مقبلون على الحرية لا محال. كنا سعداء اننا نفعل شيئا من أجل الكرامة. نواجه عزّل المجرمين والمحتلين. كنا سعداء اننا نكتب تاريخ الاستقلال بأجسادنا. أجسادنا الملبّخة بنعال ورناجر ما غيرهم. منهم من يحبّ تقبيل نعال "المجاهدين"! له أن يفعل حتى يجفّ حلقه، نحن لم نفعل ولن نفعل. نحن نقبّل الجباه لا النعال، وننحني لنقبّل تراب هذه الارض، خصوصا عندما تضم دماء مجاهدينا شهدائنا. نحن أيضا لنا مجاهدين. نحن المجاهدين. للتذكير فقط…

"المسألة لا تكلّف أكثر من سيدة نجاة اخرى، ونخلق حالا أمنية ونضبّهم كلهم بالحبوسة" القول لجميل السيد كانون الاول 2001 في اجابة على سؤال صحافي، حول الاحتجاجات المتنامية منذ 7 اب 2001. لكن الكلفة كانت أكبر بكثير مما كان يتوقعه السيّد وأسياده. ما حفرته نعال عملاء الاحتلال في أجسادنا أزهر استقلالا عندنا، ومسامير حادة في أصحاب النعال أنفسهم، بعدما خرجت نعالهم مطأطأة من أجسادنا.

7 و 9 آب، 2001 اعتقالات بالجملة واقفال الـ "ام تي في". أذكر اننا افترشنا الارض، وفلشنا الشموع، وبدأنا نغني حينا، نصلي أحيانا. تحلّقنا حول القضية ننشد لها. كانوا من حولنا كثر كثر. عسكر ما بيخلص. ولكننا كنا أكثر بكثير. كل واحد فينا كان جمهورية لكثرة ما كان حرا.

في آب 2011 مشهد مماثل بدأ يتكرر. حتى الان لم نتحرّك. لم نلملم الانفاس المبعثرة بعد. لكننا سنفعل. أصحاب النعال عادوا يعدّون العدّة، لتقع الحرية من جديد في قبضة الحديد. لكن يبدو لا يعرفون ان أجسادنا تمسحت، وما عادت الرفسات والسكاكين الحضارية، وأحزاب العمالة القومية، ما عادوا يتركون اي أثر يذكر، صاروا مثل حكاية فهد. اسمه فهد لكنه يرتجف كلما همست زوجته. فهود لكنهم بالكاد هررة، فهود من كرتون يعيشون على فتات سلطة الشام.

من جديد نحن مقبلون على الثورة. لا تواريخ محددة ولا يهم. نصنع تاريخا عندما نصنع حدثا. تاريخ سيعلّم عميقا في أجساد من يتسلّحون بالنعال ويستقوون بالرصاص.

نحن في الشوارع نقف. لن يُقفل تلفزيون ولن تلبّخ أجسادنا ولو اعتقلنا، ولو دُمَمنا، لان الدماء ستتحول ايقونة الناس الشرفاء، وستتمتلىء الشوارع بهم.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل