كتبت ثريا شاهين في صحيفة "المستقبل": في وقت تنتظر أوساط ديبلوماسية في عواصم كبرى صدور استنابات قضائية جديدة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في المرحلة المقبلة، تتجه الأنظار الى العلاقة المثلثة الأبعاد بين الحكومة اللبنانية التي جاءت في سياق الظروف المعروفة، من جهة، وبين المجتمع الدولي من جهة ثانية، وبين الحكومة و"حزب الله" وطريقة التقويم الدولية لأداء الحكومة وعلى أي أساس، وسط مسار طويل من عمل المحكمة ومقتضيات تعاون لبنان معها.
وتشير هذه الأوساط الى إمكان صدور تفاصيل القرار الاتهامي في الجريمة في بداية الخريف المقبل، لا سيما وأن الأسماء التي يتضمنها القرار، وهي مطلوبة للمحاكمة، يجب أن تبلغ الى وسائل الإعلام للإعلان عن ضرورة تسليم نفسها الى العدالة أو المحكمة.
وبالتالي، فإن صدور التفاصيل وارد خصوصاً بعدما يكون لبنان قد رد على الاستنابات القضائية التي تسلمها مدعي عام التمييز القاضي سعيد ميرزا من المحكمة. وهو سيرد بدوره على المحكمة في شأن المطلوبين الأربعة، وهذا الرد متوقع في النصف الأول من آب الجاري.
يوجد هم لدى الحكومة ومن ورائها، لا سيما "حزب الله" في كيفية السلوك حيال العلاقات الدولية بلبنان، على الرغم من القلق والحذر المعروفين لدى المجتمع الدولي من هذه الحكومة. والدول تراقب عن كثب أداء الحكومة مع المحكمة، كما أنها تلتقط الإشارات التي تلفت الى التمايز بين مواقف الحكومة وموقف "حزب الله"، وهو تمايز مقصود، هدف الحزب من ورائه، عدم تسجيل نقاط سلبية على الحكومة في موضوع التعاون مع المحكمة، عبر إعطاء هامش تحرك للحكومة.
الموقف مشابه لموقف "حزب الله" من القرار 1559، عندما قال إن سوريا حرة انسحبت من لبنان وفقاً له، لكن الحزب لا يعترف به.
ولا تستبعد الدول أن يدفع لبنان حصته في تمويل المحكمة، ولكن لن تصدق ذلك، إلا عندما تصبح الأموال في صندوق المحكمة. الا أن عدم السداد سيضع الأمم المتحدة والدول أمام مسؤولياتها لتأمين تغطية من التمويل الدولي مكان التمويل اللبناني. والسؤال المطروح لدى الحزب بحسب الأوساط، لماذا يتم تسجيل موقف سلبي على الحكومة في وقت لن يسمح أحد بوقف المحكمة؟، الأمر الذي يفترض تلافيه، بايجاد طرق تتعمد الايحاء بالتعاون، وبالتالي، هناك فصل متعمد بين مواقف الحكومة ومواقف الحزب خصوصاً في الشكل لمنع أي تأثيرات سلبية على لبنان، إذا صح ذلك.
والمعادلة التي كانت مطروحة للنقاش بين الأطراف اللبنانيين والإقليميين قبل إسقاط الحكومة السابقة برئاسة الرئيس سعد الحريري، بحسب الأوساط، هي المحكمة مقابل حل للسلاح، الأمر الذي لم يكن مقبولاً من الحزب، وربما لم يكن مقبولاً من أطراف لبنانيين لا يقايضون على المحكمة، ومن أطراف دوليين، على أساس أن المحكمة يجب أن تأخذ مسارها القانوني، والسلاح يجب أن يتم ايجاد حل له. وكان آنذاك هم الحزب أن يعمل الحريري على وقف مفاعيل قرارات المحكمة ما دام هو في السلطة وراغباً في البقاء فيها. لكن بالتزامن مع التحضيرات لصدور القرار الاتهامي، وفي ظل الحكومة الجديدة، تم العمل لتغيير المعادلة المطروحة للنقاش، وتحويلها الى معادلة جديدة، حاز من خلالها الحزب على السلطة وبات له دور أساسي فيها، كما بقي السلاح معه، ويحاول العمل على تحييد نفسه عن المحكمة. وهذا يتجلى في طريقة الأداء في مواقف الحكومة بالنسبة الى المحكمة والمطلوبين الأربعة، وصعوبات إحضارهم، إذ ان الحكومة لم تسجل موقفاً بأنها لن تسلمهم بل من ضمن هذا الأداء تقول الحكومة إنها ستتعاون وستسعى الى تسليمهم. والجميع يدرك أن المحاكمة ستكون غيابية.
أهم شيء بالنسبة الى لبنان، أن القرار الاتهامي صدر من دون خضات. فالحزب الذي لم يلجأ الى ردات الفعل عبر المجالات الأمنية، عمد الى التعامل مع الموضوع بطريقة أخرى، كما تؤكد الأوساط. وتبعاً لمعادلة وجوده في السلطة، ومع السلاح، محيداً نفسه عن مفاعيل المحكمة، لا يريد إحراج الحكومة وكذلك رئيسها، ويتوقع ألا يتم سحب القضاة اللبنانيين من المحكمة، كما يتوقع سداد تمويل لبنان لها، لتحييده عن أزمة مع الدول كي لا يصبح غزة ثانية.
هناك قرار دولي بتهدئة الوضع اللبناني وعدم تعكير الاستقرار الذي يشهده، لكن بالتزامن مع الضغوط الدولية لكي يسلم "حزب الله" سلاحه، حتى الآن كل الجهات المتعددة المهتمة بالشأن اللبناني تتقاطع أهدافها حول إبقاء التهدئة قائمة.
وتلفت مصادر ديبلوماسية غربية الى أن من الخطأ الاعتقاد أن الحكم سيجري على الحكومة من خلال موضوع المحكمة. إذ ان الحكومة لها مهمة سياسية، والمحكمة لها مهمة قضائية وعلاقتها مع مجلس الأمن الدولي مباشرة. إذ يعود للمجلس الفصل في ما يمكن اتخاذه من إجراءات حيال ما ستستنتجه المحكمة حول علاقتها مع لبنان.
وأشارت الى أن صدور تفاصيل القرار الاتهامي في بداية الخريف، سيحدث ضجة كبيرة سياسياً، لكن هذه الضجة لن تكون أمنية على الإطلاق.
الدول تنتظر الأفعال، والحكومة تحاول الظهور بأنها تتعامل بحذر ومراعاة للمقتضيات الدولية. والتريث الدولي في الحكم منذ الآن على الحكومة سببه التقاط الإشارات الخاصة بتعمد التمايز في المواقف بين الحكومة و"حزب الله" وتقييمها ومعرفة الحد الذي ستصل إليه