كتبت صحيفة "النهار": يصادف اليوم الذكرى العاشرة لاعتقالات 7 آب 2001 التي عدت احدى أبرز المحطات القمعية على يد النظام الأمني اللبناني – السوري المشترك عامذاك ضد أحزاب المعارضة المسيحية وقياداتها. وفي المناسبة، حصلت "النهار" على وثيقة تنشرها للمرة الاولى، وهي خلاصة إفادة أدلى بها أبرز رموز المعارضين الذين شملتهم الاعتقالات، اللواء نديم لطيف، الذي كان يشغل آنذاك مركز المنسق العام لـ"التيار الوطني الحر"، وقد وضع بنفسه هذه الإفادة نتيجة التحقيقات التي أجريت معه لدى توقيفه في مديرية المخابرات بين 7 آب 2001 و11 منه وتمكن من تدوين الخلاصة بعد نقله الى نظارة الشرطة العسكرية في جسر الباشا وزود نقابة المحامين ومحامي الدفاع عنه لاحقاً نسخة منها. وهنا النص الحرفي للافادة:
"تعقد الهيئة العامة في التيار الوطني الحر اجتماعا دوريا لها مرة في الأسبوع. كان قد أعلن قبل انعقاد جلسة 31/7/2001 عن زيارة كان سيقوم بها البطريرك صفير بعد أقل من أسبوع لمنطقة الشوف ومدينة جزين. قلت في نفسي عندما قرأت الخبر في الصحف: عسى ألا يُطرح هذا الموضوع في الهيئة العامة لأنني كنت أحبذ عدم مشاركة التيار شعبياً في الاستقبال، لأنه في مثل هذه الحالات، يستحيل منع كل الناس من حمل اللافتات والصور وإطلاق الشعارات إذ أنني كابن المنطقة أدرى بشعابها ممن قد يأتونها من الخارج بحيث أن التصرف على النحو الآنف ذكره سيكون له وقع سيئ في نفوس فئة من السكان إذ إنه سيثير فيهم ذكريات أليمة كان هدف زيارة البطريرك طي صفحاتها. لكن، وما إن افتتحت جلسة الهيئة العامة في تاريخ 31/7/2001، حتى طلب الكلام المحامي زياد أسود رئيس هيئة قضاء جزين في التيار وقال إنه استوضح المسؤولين عن الإعداد للزيارة في بلدته عن نوعية المشاركة في الاستقبال، فقيل له، لا سيما من الأب أبي كسم، إن الأحزاب والتيارات ليست مدعوة بهذه الصفة. تدخل هنا الدكتور ماريو عون رئيس هيئة قضاء الشوف في التيار وقال إن الوضع يختلف عما يبدو في بلدة الدامور لأن رئيس البلدية، وهو من آل الغفري، اتصل به وسأله عن نوعية مشاركة التيار فأجابه أن الموضوع لم يبحث بعد. تداولنا الأمر وقررت أن أشارك بمفردي أنا وماريو عون واتصلت للحال بالعماد عون هاتفياً وأبلغته أننا لن نشارك في جزين بل في الدامور على النحو الذي سبق ان ذكرت. وافق وقال لي: "إذا شئت فليرافقك أربعة أو خمسة أشخاص على أن يكونوا جميعهم من الشوف وفي مطلق الأحوال الأمر متروك لتقديرك".
دخل قاعة الاجتماع في هذه الأثناء شاب طويل القامة لا أذكر أنني كنت شاهدته قبلاً وقال لي: "سيكون الاستقبال في بلدة الكحاله كبيراً وستشارك فيه جميع الأحزاب والتيارات وسترفع القوات اللبنانية بنوع خاص اللافتات والصور بكثرة. نحن الأكثر عددا في المنطقة فلماذا لا نرفع بعض اللافتات؟". أجبته: "وفق معلوماتي ليس هناك من قداس في بلدة الكحالة". أجاب: "نعم ليس هناك من قداس لكن البطريرك سيتوقف لبعض الوقت في البلدة". قلت له عندها وعلى مسمع من جميع أعضاء الهيئة العامة: "ألم يحن الوقت بعد لنتخلص من هذه النغمة، نغمة التسابق على رفع الصور واللافتات؟ يمكن أن تكون لدى القوات نظرة إلى هذا الموضوع تختلف عن نظرتنا إليه. إذا أردتم المشاركة محليا فشاركوا دون صور ولافتات". ثم دار الحديث بعد ذلك حول أمور أخرى.
قداس البطريرك صفير في الدامور
توجهت مع الدكتور ماريو عون في سيارتي إلى الدامور وانضممنا إلى وفد الاستقبال الرسمي في مكتب النائب إيلي عون ثم شاركنا في القداس. لم ألاحظ أي تجمع لعناصر التيار. إلا أنه، لدى نزولنا إلى الطريق العام، ألقى علي سبعة أو ثمانية شبان التحية بتودد ومن دون أن يكون لي معرفة سابقة بهم. لم يكونوا كتلة واحدة كما أنهم لم يكونوا يحملون أي صور أو لافتات. قلت في نفسي إن هؤلاء الشبان ينتمون بالتأكيد إلى التيار. عدت بعد القداس بمفردي إلى منزلي.
قداس البطريرك في دير القمر
اتصل بي هاتفيا في اليوم التالي الاستاذ دوري شمعون وسالني عما إذا كنت سأحضر قداس يوم الأحد. ترددت ثانيتين أو ثلاثاً لأنني لم أكن قد عزمت على المشاركة، ثم أجبته بأنني سوف أحضر. قال عندها: "إني أطرح عليك السؤال كي نحتفظ لكم بمقعدين أو ثلاثة". اتصلت على الأثر بالدكتور ماريو عون واتفقنا على المشاركة كلينا دون سوانا والالتقاء في دير القمر عند الساعة التاسعة والنصف من صباح يوم الأحد. وصلت قبل ماريو بنحو ربع ساعة وأخذت مكاني في أحد المقاعد. لم ألاحظ أي تجمع للتيار الوطني الحر إنما شاهدت لافتات وأعلاما وصورا يرفعها عناصر من حزب الوطنيين الأحرار والقوات اللبنانية. عمد هؤلاء في بعض محطات الاحتفال إلى إطلاق شعارات مختلفة حول الاستقلال والسيادة والقرار الحر ووجوب خروج الجيش السوري من لبنان وضرورة إطلاق الدكتور سمير جعجع والهتاف بحياته، الأمر الذي لم يرق على ما يبدو لرئيس الجمهورية، فاضطر عندما غادر مكان الاحتفال، إلى سلوك طريق غير تلك التي كان سلكها عند دخوله.
محطة الكحالة
أثناء عودة البطريرك من زيارته للشوف، كنت ألعب النرد مع عديلي في منزلي في عجلتون. كنت أدير ظهري إلى جهاز التلفاز إنما كنت أسمع سرد تفاصيل سير الموكب من المذيع. قال لي عديلي في لحظة ما: "شوف هودي جماعتكم". استدرت نحو جهاز التلفزيون فشاهدت صورا للعماد عون إلى جانب صور أخرى عدة إنما لم أتمكن من قراءة ما كان مكتوبا على اللافتات لصغر حجم الشاشة. ثم كان أن انتهر البطريرك الشبان الذين كانوا يرددون الشعارات على النحو الذي سمعه جميع الناس.
الثلثاء في 7/8/2001
اجتمعت الهيئة العامة عند الساعة الخامسة والنصف مساء. أذكر أنه كان من بين المواضيع المدرجة على جدول الأعمال موضوع العشاء السنوي الذي كان التيار يزمع إقامته في أحد مطاعم الروميه وموضوع تقويم زيارة البطريرك صفير للشوف. كان جميع أعضاء الهيئة العامة حاضرين بالاضافة إلى ناشطين آخرين في غرفتين مجاورتين. لم يستغرق البحث في الموضوع الأول أكثر من عشر دقائق انتقلنا بعدها إلى تقويم زيارة البطريرك صفير للشوف. باشرت بسؤال المحامي جورج حداد، كونه ابن بلدة الحدت، عما إذا كان شارك في استقبال البطريرك صفير في الكحالة، وكم كان عدد ناشطي التيار الذين كانوا هناك، كما وعدد اللافتات التي كانوا يحملون. أجابني أنه شارك في الاستقبال وأن عدد عناصر التيار لم يتجاوز الاثني عشر كان بعضهم يحمل صورا للعماد عون واثنان يحملان لافتتين. أضاف أن هؤلاء كما سواهم كانوا يرددون الشعارات المعهودة حول ضرورة خروج الجيش السوري من لبنان في سبيل استعادة السيادة والاستقلال والقرار الحر. في هذه اللحظة بالذات سمعت صوتا (كان لحكمت ديب) يقول إن عناصر من المكافحة كانوا يطوقون البناية بأعداد كبيرة. اعتقدت أولا أنها كانت دعابة ما، ولكن لم تمض ثلاث أو أربع ثوان حتى كانت غرف المكتب الثلاث تعج بالجند. لم يقرع هؤلاء الباب الخارجي الذي غالبا ما كان يبقى مفتوحا، لأن ما يفعله عناصر التيار الوطني داخل الغرف الثلاث لم يكونوا يجدون حرجا في أن يفعلوه على قارعة الطريق. أُنزل الجميع من البناء الى الشاحنات. من كان في الغرفة التي كنت فيها كان إما طبيبا ومحاميا ومهندسا أو أستاذا جامعيا، ومن الصعوبة بمكان أن تطلق على هؤلاء تسمية جمعية أشرار أو جمعية سرية. ومع ذلك لم يسلم البعض منهم قبل إنزالهم إلى الشاحنات المذكورة من صفعة من هنا ومن ركلة من هناك بحجة أنهم ابتسموا في حضرة الجندي أو لم يقفوا بالضبط في المكان الذي حدد لهم. تجدر الاشارة إلى أنه رغم أن الغارة شنت دون سابق إنذار، فإنه لم يضبط مع الموقوفين أي ممنوعات، ولو من نوع شفرة الحلاقة.
أنزلنا جميعاً إلى الشاحنات وتمّ اقتيادنا إلى ثكنة للمكافحة في الفياضية. فوجئت لدى نزولنا من الشاحنات بأن عددنا كان يتجاوز المئة وكان بيننا نساء (أنزلن على الطريق العام قبل وصولهن إلى مكان التوقيف). بعد مكوث ساعتين تقريبا في أحد العنابر وبعد تدوين كامل هوياتنا، دخل ضابط برتبة رائد وطلب إلي موافاته إلى الخارج، ففعلت. أجلسني في المقعد الخلفي لسيارة مدنية نحو نصف ساعة أصعد بعدها معي جنديين وقال لي: "إذا بتريد، لما بتوصلوا إلى مكان ما، سيطلب إليك خفض رأسك، أتمنى أن تستجيب لطلب الجنود".
تم اقتيادي إلى مديرية المخابرات حيث سلمت إلى أحد الرتباء الذي أمسكني بساعدي وراح يرمقني شذرا من قمة رأسي حتى أخمص قدمي وعلامات الكره والقرف والحقد ظاهرة على محيّاه. شعرت وكأنه كان يقول في سرّه: "من أين أتيتني أيها الإكسترا تررستر اللعين؟ كم سيكون حسابك عسيرا معي". استمر واقفا على هذا النحو حوالى نصف دقيقة دون أن يوجه إلي أي كلمة، ثم قادني بساعدي وأدخلني إلى غرفة فيها زجاجة ماء مملوءة حتى نصفها وفراش عسكري سماكته لا تتعدى السنتمترين عليه كل أنواع البقع الوسخة التي يمكن أن يتخيلها عقل، بالاضافة إلى حرام صوف لا يقل اتساخاً عن الفراش. طلب ذاك الرتيب إلي الجلوس على الأرض ففعلت. ثم طلب إلي إفراغ ما في جيوبي فسلمته ما كان معي فأخذه وأقفل الباب وانصرف.
في كل ما سأقوله لاحقا، ليس بإمكاني أن أحدد الأوقات بدقة لعدم وجود ساعة بحوزتي ولاختلاط الليل بالنهار، بسبب أضواء النيون المشعة على مدار الساعة سواء في الغرفة التي كنت فيها أم في الممر المحاذي لها. بعد نحو ساعة أو ساعتين ولربما كان ذلك قرابة منتصف الليل، عاد سجاني وطلب إلي انتعال حذائي ومرافقته. قادني إلى غرفة مكتب مواجهة تقريبا لغرفتي إنما أصغر منها مساحة فيها أربعة كراسٍ. طلب إلي الجلوس على أحدها قبالة أحد المحققين (تناوب على التحقيق معي طيلة الأسبوع الذي مكثته في مديرية المخابرات أربعة محققين سأطلق عليهم أسماء (أبجد – هوز – حطي – كلمن). دار بيني وبين أبجد، وهو من حقق معي أولا، الحوار الآتي:
– أبجد: هات خبرني شو هالقصة وشو عم بيصير.
– أنا: أي قصة تقصد؟
– أبجد: هيدا يللي عم بيصير بالبلد وقصة البطرك.
– أنا: هل تقصد ما حصل في بلدة الكحالة؟
– أبجد: نعم وغيرها.
– أنا: أخبرته حرفيا وبالتفصيل ما ذكرته أعلاه بالنسبة الى زيارة البطريرك لمنطقة الشوف وجزين. وفيما أنا في منتصف سرد الرواية، وبما أن باب الغرفة كان مفتوحا بزاوية ثلاثين درجة تقريبا، سمعت أحدهم يقول بتهكم على مقربة من الباب المذكور: "ليك أخ العرب كمان حاطط إجر على إجر". أذكر في هذا السياق أنني في الواقع أضع رجلا فوق الأخرى بحركة لاشعورية بسبب إجراء عملية جراحة للديسك لم تكن موفقة جدا منذ سنوات. ثم دخل المتكلم (هوز) ومعه شخص آخر (حطي) وجلسا إلى يميني ويساري. دار بيني وبين "هوز" الحوار الآتي بعدما كنت أنهيت سرد رواية زيارة البطريرك للشوف:
– هوز: هللق من كل عقلك نحنا جايبينك لهون منشان هالقصة؟ يللا هات بلش بالمواضيع الخطيرة الأساسية.
– أنا: لست أدري عما تتكلم. تفضل واطرح علي السؤال الذي تريد لأجيبك عنه.
– هوز: لا. إنت بتعرف إنو نحنا منعرف!!! وبدك تحكي لوحدك.
– أنا: آسف أن أقول لك إني لا أعرف ما تقول إنك عارفه.
– هوز: طيب بلّش بقصة اتصالاتك بضباط الجيش وشو هي المخططات يللي عم تحضروها.
– أنا: هذه قصة أنا متأكد أنك تعرف أن لا أساس لها من الصحة. ليس لدي أي علاقة من النوع الذي تطرح بأي ضابط من الجيش حتى أن علاقاتي الاجتماعية برفاق دورتي كانت على الدوام شبه معدومة حتى أثناء خدمتي الفعلية. أذكر أن رفيق دورتي العميد المتقاعد فؤاد عون عرّج علي منذ نحو الشهرين وسألني ما إذا كنت قد أغير من عادتي وأشارك في عشاء الدورة السنوي في حال إقامته في مطعم مدني، فأجبته بالايجاب. تجدر الاشارة إلى أنني لم أكن أشارك في السابق في العشاء المذكور عندما كان يقام في نادي الضباط بسبب وضعي الخاص وكي لا أحرج زملائي وإن كانوا متقاعدين. وأذكر أيضا أنني قدمت التعازي إلى رفيق دورتي العميد المتقاعد سمير حرب بوفاة شقيق زوجته منذ نحو الشهرين علما أنني لم أكن قد رأيته قبل ذلك منذ أكثر من خمس سنوات. هذه هي كل علاقاتي بضباط الجيش !…
– هوز: طيب وشو علاقات العماد عون بضباط الجيش؟
– أنا: لازم ينطرح هالسؤال على العماد عون بالذات.
– هوز: ولا مرة إنت حاكي معو بهالموضوع؟
– أنا: على الاطلاق، كلا.
– هوز: (بتهكم وغضب) هات خبرنا عن هودي الجامعات.
– أنا: شو بها الجامعات؟
– هوز: خلصني بقا قول كل شي. إنت بتعرف كل شي. شو هودي ولاد أخوك؟ يلا خبرني عنهم.
– أنا: لدي شقيق عنده ولدان كلاهما في فرنسا الأول يعمل طبيبا في تولون والثاني يعمل في شركة في باريس وذلك منذ سنوات!… ولدي شقيق آخر له ولدان مولودان في الولايات المتحدة قدما حديثا إلى لبنان وبالكاد يتقنان اللغة العربية وأرجح أنهما لا يعرفان ما هو التيار الوطني، وفي مطلق الأحوال فهما لم يدخلا الجامعة بعد.
– هوز: ما تحور وتدور. مين هيدا لطيف ما لطيف في الجامعة؟
– أنا: (بعد محاولة استعادة ذاكرتي لبضع ثوان) هل تقصد شابا اسمه بسام لطيف؟
– هوز: شفت إنك بتعرف وما بدك تحكي وإنو نحنا منعرف كل شي؟
– أنا: كنت أسمع منذ أكثر من سنتين أن هذا الشاب ناشط في صفوف التيار الوطني في كلية الهندسة في الجامعة اليسوعية. سألت بعض اقربائي ما إذا كانوا يعرفونه فقيل لي إنه من بلدة عماطور القريبة من بلدتنا ومن أنسبائنا. عرفني بنفسه لاحقا في مؤتمر للطلاب ولم أعد أشاهده أو أسمع عنه شيئا منذ ذلك الحين إلى أن التقيته منذ ثلاثة أشهر في البنك البريطاني حيث باشر العمل حديثا. ألقى علي التحية فلم أتذكر اسمه فعاد وعرفني بنفسه مجددا وقال إنه لم يعد باستطاعته المساهمة في نشاط في التيار بسبب ظروف عمله.
– حطي: (بانتهار) طيب فيني أعرف شو بدكم إنتو بالتيار؟
– أنا: بدنا بلدنا يكون سيد حر مستقل.
– حطي: يعني بدك تقول إنو وجود الجيش السوري هو السبب؟
– أنا: نعم.
– حطي: العماد عون حارب السوري وشفنا وين صرنا. لوين بعدكم رايحين ولشو عم تخططوا؟
– أنا: أرجوك إذا كان الهدف من جلبي لهون هو أن يعمل لي جلسات Edoctrinement فما بقا تحرز، على الأقل بالنسبة الى سني، أنا على قناعاتي ومش رح غير عنها. نحن لا نضمر أي شر لسوريا بل نتمنى أفضل العلاقات بين البلدين.
– حطي: والعماد عون؟
– أنا: العماد عون لا يضمر أي شر لا لسوريا ولا لشعبها وله مقابلات شيقة في هذا الموضوع سواء في جريدة المحرر أو في جريدة الحياة أو في غيرهما، وأعتقد أنكم اطلعتم عليها.
– حطي: طيب وإذا ما طلع السوري شو بدكم تعملوا؟
– أنا: سنستمر في رفض هذا الواقع كي لا يقال إن كل اللبنانيين استسلموا له، وسنقاوم كما فعل غاندي على ما ردد العماد عون أكثر من مرة. ليس ما يمنع أن ندعو في نهاية المطاف إلى العصيان المدني.
– أبجد: أين ترى أنت أن الوجود السوري يكبل القرار اللبناني؟
– أنا: هل قرأت كتاب الرئيس الحص الأخير؟
– أبجد: لا !…. ماذا يقول الرئيس الحص؟
– أنا: أطلعته على بعض ما ورد في الكتاب المذكور خصوصاً بالنسبة الى تعديل قانون الانتخاب وترشيح النائب ناصر قنديل وسواهما من الأمور. لم يعلق على ما قلت بشيء.
– أبجد: ما هي علاقتك باسرائيل؟
– أنا: ابتسمت وقلت له: "شاهدت إسرائيلياً بشحمه ولحمه للمرة الاولى في حياتي عام 1972 على ما أذكر، وكان ذلك لمناسبة انعقاد مؤتمر للأنتربول في سان كلو في فرنسا. ثم عدت وشاهدت الإسرائيليين يوم شاهدتهم أنت عام 1982 عندما اجتاحوا العاصمة بيروت.
– أبجد: طيب شو علاقة العماد عون بالإسرائيليين؟
– أنا: أنت تعرف أكثر مني أن ليس للعماد عون أي علاقة بالإسرائيليين. أقل ما يمكنني قوله وهذا ما ردده العماد عون مرارا ولا يزال، هو أنه لولا إسرائيل لما حصل ما حصل في 13 تشرين أول 1990.
– أبجد: حسناً سنلتقي في الغد.
لم يتعد مجمل ما دونه أبجد من ملاحظات حول كل ما ذكرت أعلاه العشرة أسطر، أُعدت بعدها إلى غرفتي من دون أن أعلم كم كانت الساعة. بقيت في الغرفة تلك حتى مساء اليوم التالي حيث كان يطلب إلي كل نصف ساعة تقريبا الخروج منها إلى غرفة مكتب التحقيق والجلوس فيها قبالة أحد الجنود لمدة مماثلة أُعاد بعدها إلى الزنزانة من دون أن أدرك لماذا خرجت منها ولماذا أعدت إليها. وتتكرر القصة على هذا النحو ثلاثة أيام بلياليها.
بقيت أربعة أيام أرتدي الملابس الداخلية نفسها في غرفة أشبه بمخمر موز بالكاد يتسرب الهواء إليها. كان علي كلما أردت دخول بيت الخلاء أن أقرع الباب فأُسأل عما أريد فيُقفل الباب عندها بعدما يطلب إلي الانتظار حتى يركز "السياج الأمني". ثم يفتح الباب مجددا ويطلب إلي الخروج، فكنت أتحقق من تركيز الجهاز العتيد المؤلف من ثلاثة جنود مدججين بالسلاح بين واحدهم والآخر متر واحد، علماً أن المسافة التي كانت تفصل الزنزانة عن بيت الخلاء لم تكن تتعد الثلاثة أمتار. ضاق أحد الرتباء ذرعاً بدخولي وخروجي إلى بيت الخلاء ثلاث أو أربع مرات في اليوم الأول فعمد إلى قص الربع الأعلى من زجاجة بلاستيك وطلب إلي التبوّل فيها وإفراغها عند المساء. وهكذا أصبح أثاث الغرفة مؤلفا من الفرشة العتيدة التي ذكرت وحرام الصوف وزجاجتي البول والمياه… أما عندما كان الأمر يتطلب إفراغ الأمعاء فهناك كانت الطامة الكبرى، إذ لم يكن هناك أي ورق تواليت أو كلينكس في الغرفة ولا في بيت الخلاء ولا عند المغسلة. حاولت المستحيل في اليومين الأولين للحصول حتى على قصاصة جريدة لأدخل إلى الحمام لكن كل محاولاتي باءت بالفشل. إلا أنه، وفي صبيحة اليوم الثالث، أعطاني أحد الجنود بما يشبه الخلسة ورقتي كلينكس من جيبه فدعوت له في سري بطول العمر لأنه فرج لي كربتي. كما أني كنت أغتنم الفرصة أحيانا لدى خروجي من الحمام فأضع رأسي تحت الحنفية واعود والماء " يزرزب" على جسمي لعدم وجود أي وسيلة للتنشيف.
قبل اليوم الأخير من مغادرتي مكان احتجازي، سمح لي بشراء سروال وقميص داخليين إثر إصابتي بنوبة عصبية لا أذكر ماذا قلت خلالها، الأمر الذي تصادف مع مرور أحد الأطباء من المكان فدخل إلي وقاس ضغطي فوجده مرتفعا فبقي معي نحو عشر دقائق وغادرني بعدما تأكد من عودة الضغط إلى طبيعته.
ذات ليلة، وأعتقد أن الحرارة في الغرفة كانت تفوق الأربعين درجة، لاسيما أن المروحة الكائنة في محاذاة الكوة القريبة من السقف كانت معطلة، أخذت أتنفس بصعوبة فائقة. تطلعت إلى أصابع يدي فلاحظت أن ما تحت أظافري بات أزرق، لا بل أسود. قرعت الباب فسئلت عما أريد بلهجة تهكمية ساخرة فقلت: "يا أخي المروحة معطلة وقد فقد الأوكسيجين من الغرفة". أُجبت بلهجة أكثر سخرية: "بسيطة هللق بيجي الأوكسيجين". لم يعالج هذا الوضع إلا بعد نحو عشر دقائق، إذ حضر أحد الرتباء وفتح الباب خمس دقائق بعدما منَّ عليَّ بأنني أعطيت أفضل غرفة…
بالعودة إلى التحقيق، استدعيت مجددا إلى المحقق أبجد مساء اليوم الثاني فبادرني بقوله: "إنت مفكر نحنا مش عارفينك مين إنت. نحنا منعرف كل شي عنك وعن نظافة كفك وآدميتك… بس كنت مبارح عم بتساءل أنا والمدير ونقول إنو يا أخي شخص بهذه الصفات وبهذا العمر شو…" وتوقف هنا عن الكلام فأكملت أنا وقلت عنه: "شو بدو بهاللبكة؟". أجاب بنعم. قلت:" يا أخي عندما تكون القضية بحجم وطن هل يمكن اختزالها على هذا النحو؟". قال: "أنت بتعرف إنو البلد هو اليوم كناية عن Vase محطم وملزق كيف ما كان وأي هبة ريح بتروحو. شو بيمنع إنو مبارح بالكحالة كانت تشتعل الأرض". أجبته:" هودي حفنة الشباب العزل من أي سلاح بدهم يشعلوا البلد؟ وليش؟ غيرهم حمل سلاح وما اشتعلت البلد. وليش مش الحرب داخل الحكم هي التي ستودي بالبلد؟". قاطعني وقال: "أنتم تؤدون خدمة لإسرائيل لربما عن حسن نية. ومن ثم ما هذا التناغم بينكم وبين وليد جنبلاط". ثم ذكر أسماء شخصيات كبيرة أخرى على سبيل الانتقاد الأمر الذي أذهلني فعلا. انتهى التحقيق في اليوم الثاني عند هذا الحد وقد دون "أبجد" نحو خمسة أسطر ملاحظات كخلاصة لما قلت..
استدعيت إلى المحقق "كلمن" في اليوم الثالث أو الرابع، وعلى الأرجح في اليوم الرابع، فقدم لي فنجان قهوة وسيكارة وطرح علي أسئلة قليلة لم يأت فيها بجديد على الأسئلة السابقة، ودوّن نحو سبعة أسطر ملاحظات وختم قائلا لي: "خلص هلق أنا برتبهم!.. (مشيرا إلى الملاحظات) وبكرا بتجي بتوقع وبتروح". قلت في نفسي إن الواقعة وقعت وتذكرت ما كان يقوله لي عناصر التيار من أنهم كانوا يوقعون في غالب الأحيان وهم معصوبو الأعين.
لم أُستدعَ في اليوم التالي كما وعد "كلمن"، بل في اليوم الذي تلاه، ومن المحقق "أبجد" الذي أمسك بمحضر تحقيق من سبع أو ثماني صفحات وطلب إلي توقيع مندرجاته. طلبت إليه قراءة ما ورد في الصفحات تلك فقال: "كل ما ذكرت كتبناه دون زيادة ولا نقصان". ابتسمت وقلت له: "يا أخي وبكل محبة أقول لك، هل من المعقول أن تطلب إلي توقيع إفادة لم أقرأها وأنت تعرف أنني محام وأنني أمضيت عمري في إجراء التحقيقات؟". قال: "نحنا عاملناك أحسن معاملة!… وكان عندنا ألف سؤال كان بالإمكان أن نطرحها عليك فلم نفعل". قلت: "ولماذا لم تطرحها؟ وهل أنني امتنعت عن الإجابة؟".
وكنت في هذه الأثناء أسترق النظر إلى ما كتب فلاحظت أنه تم تقويلي أكثر من مرة ما لم أقل، فأشرت إلى هذا الأمر فأجابني: "طيب منصحح هيدي (كان قد صورني في مكان ما وكأنني نازي بالنسبة الى السوريين) وبرجع بقلّك إنو إنت الوحيد يللي إجا لهون وقدر يشوف التحقيق متل ما إنت عم تشوف". ذهلت لقوله هذا وصمتّ لبعض الوقت ثم وقّعت، مع شعوري في قرارة نفسي أني كنت أوقع أي شيء ما عدا تحقيق عدلي.
ذات يوم وفيما أنا أجيب عن أسئلة "أبجد"، دار بيني وبينه الحوار الآتي:
– أنا: هل تريد مني رأيا أقوله لك بكل محبة وصراحة؟
– أبجد: نعم.
– أنا: كل ما فعلتم حتى هذه الساعة غير قانوني ولن يصب في مصلحتكم.
– أبجد: يعني؟
– أنا: إن دهمكم لمكتب التيار في أنطلياس هي غير قانوني للأسباب الآتية:
■ إنكم لستم بضابطة عدلية. وعلى افتراض أنكم ضابطة عدلية لم يكن هناك من جرم جنائي مشهود يرتكب. لم تكن لديكم أي مذكرة عدلية ولا خلاصة حكم.
■ بصفتي محامياً، لم تأخذوا إذنا من نقابة المحامين للتحقيق معي.
– أبجد: (مقاطعا) كان هناك أمر من النيابة العامة التمييزية.
– أنا: ماذا تقصد؟ هل كان لديكم مستند خطي من النيابة العامة التمييزية؟
– أبجد: نعم في في.
– أنا: أنت تعلم أنه في ظل قانون أصول المحاكمات الجزائية الجديد لم تعد النيابة العامة التمييزية تملك مثل هذه الصلاحية وفي وقت قريب سيباشر في تطبيق هذا القانون و…
– أبجد: (مقاطعا ومبتسما) ومن كل عقلك إنو هيدا القانون بدو يمشي (قال ذلك قبل أربعة أيام من التعديل الذي أجري على التعديل).
■ أنا موقوف لديكم منذ أربعة أيام دون مسوغ قانوني.
■ جماعة من الأطباء والمحامين والمهندسين وأساتذة الجامعات يلتقون والأبواب مشرعة للتكلم في موضوع عشاء وفي تقويم زيارة للبطريرك ليست جماعة أشرار ولا جماعة سرية.
