دخل لبنان عهداً جديداً بعد إكتمال فصول الانقلاب "الدستوري" الذي هندسته إيران وسوريا ونفّذه "حزب الله". فمن هناك، من سراديب مخبئه الامني الحصين، قاد "الأمين العام" غرفة عمليات الانقضاض على الديموقراطية اللبنانية وانتخاباتها، في عملية سطو سياسي مسلح، مشهود بعراضاته الترهيبية. وانتهى الانقلاب بـ"توكيل" النائب نجيب ميقاتي مهام رئاسة حكومة يعيّنها ويسمّي وزراءها ويوزع حقائبها "السيد" نصرالله شخصياً.
هكذا، وبعد أن أحكم قبضته على رئاسة مجلس النواب و"عيّن" رئاسة الحكومة، ويبدو مصمّماً عند أول مفترق طرق على "تنصيب" وكيله الجامح للسلطة ميشال عون رئيساً للجمهورية.
يمكن القول ان زعيم "حزب الله" بات واقعاً وحقيقة هو "المرشد الاعلى للجمهورية اللبنانية".
وتمكّن حسن نصرالله من تبوّؤ منصبه الجديد "المعصوم" بعد أن استكمل سيطرته على أجهزة الدولة ومؤسساتها السياسية والامنية والادارية. وأفضى هذا "الانتصار" بحزب ولاية الفقيه من حزب "مشارك في الحياة السياسية اللبنانية" (وهو المتعفف الدائم منها والمتكّبر عليها والعارض عنها!) الى حزب حاكم أوحد، في سلطة يوزّع مغانمها وريوعها وكراسيها على ملحقين به ولاجئين إليه ممن يتوسّلون عطاياه ومباذله.
و"المرشد الاعلى" اللبناني يتبع مرشد إيران وحرسها الثوري، ويلتصق، سياسة وعملاً، بالحاكم السوري وأجهزته، على ما دلّت وقائع إهداء "بندقية المقاومة" لرئيس فرع الأمن والاستطلاع للقوات السورية العاملة في لبنان رستم غزالي في ربيع العام 2005، وكل الوقائع التي تبعتها.
و"حاكم" لبنان، أي زعيمه الروحي والزمني، بات وفق الايديولوجية الخمينية "مرشداً" للجمهورية يعلو بأوامره ونواهيه وقراراته عن أي ديموقراطية أو أي انتخابات. يستمد سلطانه من إرادة إلهية لا دخل فيها لإرادة شعب أو لرأي مواطنين، فيكون معصوماً لا رادّ لسلطانه، تحيط به أجهزة أمنية وعسكرية على شاكلة "الباسدران" و"الباسيج" حاضرة دوماً لمصارعة الشياطين. هذه الشياطين غالباً ما تكون الاغلبية العظمى من الشعب.
ابن بلدة البازورية، في جنوب لبنان، الذي يناهز عمره الخمسين، انخرط باكراً في النواة الاولى لما سيصير "حزب الله". فهو المنتقل من صفوف "أمل" سيعمل في مهام تنظيمية بين عامي 82 و89 ليكون مقرباً من أستاذه عباس الموسوي. وبحنكة مبكرة وببعض الدهاء السياسي، سيسافر نصرالله الى إيران أواخر الثمانينيات نائياً بنفسه عن الخلافات والسجالات الحامية داخل "حزب الله" بشأن السياسات الاقليمية والمحلية.
وإذا كانت "الثورة الخمينية" اتسمت بأنها "ثورة الكاسيت" حين كان الامام الخميني يحرض الشعب الايراني عبر توزيع شرائط خطبه في شوارع طهران، فإن "المرشد" حسن نصرالله قاد إنقلابه المتدرّج و"ثورته المضادة" منذ العام 2005 عبر تكتيك جديد: "الخطب المتلفزة". وهو نجح في حروبه ومعاركه بما يمكن تسميته "الفيديو كليب الخطابي" الذي تميز بأصبع الويل والثبور وعظائم الامور. وهو اصبع متورّم بنحو 40 ألف صاروخ أو أكثر وعشرات آلاف البنادق المدربة والجاهزة.
اصبع "المرشد الاعلى" للجمهورية اللبنانية مرفوعة اليوم: فوق رئاسات لبنان الثلاث، وفوق برلمان لبنان، وفوق وزارات لبنان، وفوق جيش لبنان، وفوق شعب لبنان. انه الاصبع الذي يفقأ عين الجمهورية